دكتور عادل غندور زميل وصديق لأبن عبري د. فاخر المصري .. أثناء الدراسة الجامعية اصطحبه فاخر الي عبري عام 90 .. أحب عبري ومن خلالهم أحب كل من يرطن .. أكثر ما يسعد المرء في هذه البلاد أن يجد معه سودانيا في مكان العمل .. عام 2000 كنت أعمل باحدي مستشفيات شمال مقاطعة ويلز بمدينة ريل الساحلية حينما قدم د. عادل للعمل بقسم جراحة العظام ضمن الفترة التدريبية كنائب اخصائي .. أسعدني كثيرا لقاؤه وقضينا سنة في نفس المنطقة , أحسب انها كانت من أجمل سنوات انجلترا ..
يقال معادن الرجال تظهر في لحظات الشدة .. مررت وأسرتي بظروف صعبة عام 2004 ووجدت في عادل نعم الاخ .. أخو أخوان من طراز فريد .. أكبرت في هذا الرجل طموحه فلم يكتفي باستكمال فترة التدريب للبحث عن وظيفة استشاري وانما سافر الي كندا لاكتساب مزيد من الخبرة في مجال جراحة المفاصل ومناظير الركبة .. وكان طبيعيا أن يتفوق علي أقرانه من الخواجات للفوز بوظيفة استشاري جراحة العظام بمستشفي كاردف الجامعي ..
صدمت قبل أيام حينما علمت بخبر أصابته بمرض الليمفوما ( من الامراض السرطانية ) .. الرجل من نوع شايل هموم الناس , همه اللي عنده غالبه يشيله .. لم يشأ ان يثقل علي الاخرين بخبر مرضه ..
رغم كثرة مشغولياتي في نهاية هذا الاسبوع الا انه كان من الواجب ان أقوم بزيارته في اقصي جنوب انجلترا .. تذكرت ان اخر زيارة لعادل بكاردف كانت لواجب العزاء في وفاة والده الدكتور عثمان غندور , اخصائي النساء الولادة .. تذكرت ايضا ان المشوار بالسيارة كان مملا ومرهقا , لذلك قررت ان اسافر بالقطار .. اتصلت باستعلامات القطار وعلمت انه لا يوجد قطار مباشر وبالتالي يلزمني السفر الي بيرمنجهام ثم كاردف من هناك ..
جزء من ثقافتنا السودانية اننا لا نحسن تقدير الوقت .. وصلت المحطة متاخرا ثواني وفاتني قطار الثامنة و 23 دقيقة واضطررت انتظار ساعة اخري .. أتمني من كل قلبي ان تعيش الاجيال القادمة في السودان ولو بعد ألف سنة بعضا من رفاهية هذه البلاد .. قطارات ذات كراسي مريحة بخدمات فنادق خمسة نجوم , لا غبار ولا ضجيج .. الكل مشغول اما بالقراءة أو بمتابعة العمل من خلال اللاب توب .. حتي الاطفال يلزمون حدودهم ... في بلادنا من المألوف ان تشاهد عشرات الاطفال حفاة وربما عراة يجرون علي جانبي القطار علي أمل ان يظفروا ببقايا طعام المسافرين .. هنا لا شيئ من ذلك .. في أطراف المدن وعلي امتداد الافق ميادين خضراء , أغري دفئ الشمس عشرات الصبايا والصبيان .. يلعبون ويضحكون ويتسامرون .. كثير من مفرداتنا اليومية التي مللناها من تكرارها مثل الازمة السياسية , الحروب الاهلية , النازحين ومعسكراتهم , الجهل , المعاناة ... الخ , كل هذه لا وجود لها في قاموس حياتهم ..
وصلت بيت عادل حوالي الثانية .. طمأنني كثيرا صموده وصبره علي المحنة من واقع ايمانه بالله .. نعم تساقط كل ما في جسده من شعر نتيجة العلاج الكيمائي , لكن المرض لم يسلبه روحه المرحه وضحكته الصافية .. تعانقنا وهو يقول .. رطانق بنجمي .. الجملة التي رسخت في ذهنه من كثرة ما سمعها من أهل عبري .. جاءت امه من السودان لتكون بجانبه وما أحوجه لدعواتها ..
قدم لفيف من الاصدقاء وكالعادة كان محور الحديث الي متي نحن هنا .. وما هو البديل الافضل ..
مضت اللحظات سريعة .. قامت اميرة زوجته بتحضير الغداء حتي لا يفوتني قطار السادسة الا ربع ..
أشفقت علي عادل وأنا أودعه .. تركته يحمل هم الجرعة الكيمائية التي تستنزف كل طاقته لما يزيد عن العشرة أيام .. وعندما يستعيد بعضا من عافيته يكتشف بانه علي موعد مع الجرعة التالية .. كم هي عظيمة نعمة الصحة , لكننا للاسف لا نعلم قيمتها الا عندما نفقدها ..
ترددت كثيرا قبل ان اكتب عن هذا الموضوع كوني أفهم نفسية هذا الانسان الذي لا يريد ان يثقل علي الاخرين بهمومه الشخصية لكني أطمع في دعواتكم ليقيني ان منكم طيبون وطيبات لا يوجد حجاب بين دعواتهم والمولي الكريم .. أرجوكم أدعو له ليعود معافا لأمه وزوجته وأطفاله وأصدقائه وما أكثرهم .. وفوق هذا وذاك لحاجة محمد أحمد السوداني لأمثاله فالرجل لا يشبه أطباء اليوم ممن شغلتهم المادة عن الجانب الانساني , انما مثل رائع ل الطبيب انسان يا عوض دكام ..
أسأل الله رب العرش العظيم ان يشفيك عزيزي دكتور عادل غندور ..