بســــم الله الرحمـــــن الرحيــــــــم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
أسم الموضوع :- إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
أسم الكاتــــب :- صـــلاح إدريــــس
رقم الموضوع :- ( 97 )
التاريــــــــخ :- الجمعة 12 نوفمبر 2010
التصنيـــــــــف :- دينـــى
****************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
أسمحوا لى فى هذه الجمعة المباركة ألا نتناول سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعودنا أسبوعيا .. فعيد الأضحى المبارك على الأبواب .. وقد رأيت أن نتناول سيرة سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل عليهما السلام .. ولأن سيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء فإن سيرته وأحداثها طويلة جدا جدا بحيث تكفى مجموعة كتب معا .. لذا فقد أخترت منها بعض المقتطفات عن زوجتيه وولده أسماعيل الذى تمناه من الله سبحانه وتعالى .. وصبر وإيمان أمه هاجر .. وقصة بيت الله الحرام وبناءه .. والصفا والمروة .. والقرابين والأضحية فى مواسم الحج .. ولعلنا جميعا نعلم هذه الرواية الخالدة عن سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل .. ولكن تفاصيلها مشوقة ورائعة .. وتوضح بحق إيمان وعزم وقوة سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام .. فهيا بنا نتعرف على هذه السيرة الرائعة .
**************
إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
*******************
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذمعه زوجتَه سارةَ وابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مملكة الأقباط،وهناك أهدى الملك فتاة اسمها هاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليل الرحمن.
مضىسيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، في الطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحلالبحر الميّت أمر سيّدنا إبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلىعبادة الله سبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَ طريقَهُ مع زوجتهِ سارةَوالفتاةِ هاجر إلى أرضِ فلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاً تحيطهالرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُ هناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينة الخليل.
ضرب سيّدنا إبراهيمخيامه في ذلك الوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلمات الطيبة..
كانسيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه، وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لاشريك له ولا معبود سواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُ إبراهيمَ الرجلالصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحه وعبادته وتقواه،وعرفوا حبّه للخير والناس.
***
ولكن من يدققالنظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناً في عينيه... لماذا ؟ لانسيّدنا إبراهيم يحبّ الاطفال.
كان يتمنّى ان يكون له طفل...
وها هو الآن قدأصبح شيخاً كبيراً وأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحتهخيمتهما؛ أو يلعب مع الحملان والخراف.
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّ زوجهاولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذات مساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدنا إبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه، وأنا راضٍبذلك.
قالت سارةُ المرأةُ الصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌ نرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـ ولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قد أصبَحتُعَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنا منهاأولاداً.
قال إبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي يا سارة.
ـ لن أحزنيا خليل الرحمن.. سأفرح بفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلى زوجها إبراهيمفتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعة أشهر حتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُبميلادِ إسماعيل.
***
وَهَب اللهسبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباً ملأ قلبَ أبيه فَرَحاًومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاته في خيمةِ أمّهِهاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّ سيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقت طفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارةلا تريد للغيرة أن تأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسبب ذلك..
منأجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأتهاجر، فستغار منها وتحقد عليها وهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانهرؤوف بعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانهابزوجها إبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربها وبرسولهإبراهيم.
***
وقضتمشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة فيالجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهبإليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفل الرضيع ساراأيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيم مكاناً جميلاً أو وادياًمعشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكون قد وصل المكان الموعود.
ولكنالملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسيرويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاًجرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلكالمكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزلإبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولايعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذاالمكان.
***
قبّل سيّدُناإبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
على إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَهاجرَ وابنَها في هذا المكانِ الموحشِ، بكى إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداًإلى فلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِالجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن اللهرؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت لابراهيم:
ـ ما دام ان الله قدأمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد إبراهيمُ بعد أن ودّعابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما منالشرور.
***
اختفىإبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه، أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجريحوله..
فرشت هاجر لابنها جلد كبش، وقامت لتصنع لها ولطفلها خيمة صغيرة.
كانتتعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعىوليدها.
في النهار تجمع بعض الحطب، وفي المساء توقد النار وتصنع لها رغيفاًتتعشّى به، وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضتعدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء.. لم يبق في القربة حتى قطرةواحدة.
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُيَملأه الصَّمت.
راحَت هاجرُ تُدير بَصَرها في جَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء،أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير فيسمائها طائر..
بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. كان عطشاناً يَبحثُ عن قَطرةِماء.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذهالأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِفي هذه الصحراء ؟!
فجأة تَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَشيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِغَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجلالقَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِوجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع.. لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هناوهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكانهناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كانصُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت فيالوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكنلا شيء! لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في قلبالوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِها إسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُيُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِ المَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَتتَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها مايُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوىالسَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيل غابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُمِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
راحَت هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِتَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ منالعَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْجَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عن بَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّمايكون قد ماتَ.. ربّما افتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْمِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَهناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِوهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِالرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُبِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
***
شَمَّتِالطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَتبمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
إسماعيل أيضاً كانَسَعيداً وهو يراها تَلعَبُ في الفضاء.
كان السُّكّانُ في تلك الصَّحاري يَعيشونَحياةَ الرُّحَّل.. ذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُطُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوانَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لميَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُزوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين.. قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُقالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.
ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُمقريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..
جاء سيّدُناإبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَبقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.
ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُمالوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..
أفرادُ القبيلةِ قَدَّموالإسماعيلَ كثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّملُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىً طيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِالعربِ الطيِّبين، تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
***
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَبيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُناإبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّالصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِبيتِ الله.
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِهالمُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ منالجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وكانَ عليهما أن يَجمَعا التُّرابَ ويُوفِّراالماءَ الكافي لِصنُعِ « المَلاط » اللازم في بناءِ البيت.
وهكذا بدأ البناءُ،نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِوجَمَعا التراب.
كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُالصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ منالصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناًلَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَالخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَيُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّيعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُيَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّ يومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِويَقولان: ربَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَالبناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأىسيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ العُليا.
في تلك الليلةِ كانَتِالشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
فيالصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه علىحَجَرٍ أبيضَ مِثلِ الثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُناإبراهيم ووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَأوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌباتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ، جَمَعَ سيّدُنا إبراهيم نَباتاً طيّبَالرائحةِ يُدْعى (الإذخُر ) فوَضعَه على الباب، وجاءت هاجَرُ أمُّ إسماعيل وأهدَتإلى الكعبةِ كِساءً.
***
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثمهَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَتقبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ خليلِالرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَطالمَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِزَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَ ناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَمرّات، وأدَّوا الصلاةَ ودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...
وبعدَهاانطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفا والمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيلذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَي عَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً فيالمَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَ قَطَعَت هذا الواديالمُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيف تَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذهالحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُالقادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا،ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَله.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍقدير.
***+
هَبَط المَلاكُجبريلُ وأمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفاتومِنى، ومن ذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِالتَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماءالمُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُالمَصابيحَ، فسجَدَ لله الخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحييويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. فيعالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ، ورأى ابنَهنائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُالرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّالعالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأوصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُ وغَمَرت التِّلالَبالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةًأخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُسبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليهأن يَذبحَ ابنَه ؟! ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَه بذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُ بالذبحِ ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَالذَّبح ؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى فيالمَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى ؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانه يأمرُرسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباه كثيراً، يَعرِفُأنّ أباه لا يَفعلُ شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَهاللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَفإسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِافْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.
سيّدُناإبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِورسولهِ.
***
أخَذَ سيّدُناإبراهيمُ سكينا وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُيُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُ نَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أنيَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِ الآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَناإبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحوالوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِالحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلىأبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكى من أجلِ أبيهِ الشيخ فأرادأن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـ يا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِ السِّكِّينَجَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُوقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُناإبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِالله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلىالأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة، يُودّعُ أُمَّهوأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِ إسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌوينتهي كلُّ شيء.
ماذا حَصَل في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءًلإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناًيَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُناإبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله،وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي منمِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِ الله... البيتِالذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَ حَولَهُ ويُمَجّدونَاسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كما سَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّم إبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَلأنّهم على دينِ إبراهيم، ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
***
هلتعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله. لماذا؟ لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُناإسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِعبدُالمُطَّلِب جَدُّ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ منجديد، وفي عهدِه هاجَمَ الجيشُ الحَبَشيُّ مكّة لَتدميرِ الكعبةِ، فدَعاعبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَحْميَ البيتَ الحرامَ من شَرِّ الأعداء واستَجابَالله دُعاءَ حفيدِ إبراهيمَ وإسماعيلَ، وأرسَلَ طَيراً أبابِيلَ قَصَفَت جيشَأبرهَةَ الحَبَشيّ ومَزَّقَته..
دعا عبدُالمطّلب الله سبحانه أن يَرزُقَهُعَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناًلله..
الله سبحانه رَزَق عبدَالمطّلب عشرةَ أبناء... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقدرَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلببين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّىالله عليه وآله، فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُمكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوا لعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ،واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّك حتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلبيَقرَع بينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُبالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها علىالفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ، ولكنّ الله رَضِيَبفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنامحمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين، لأنّه ابنُ عبدِالله بنِعبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.
واليومَ عندما يَذهَبُالمسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَ لأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَسيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله.
بسم الله الرحمنالرحيم
وإنّ مِن شيعتِه لإَبراهيم * إذْ جاءَ ربَّه بقلبٍسليمٍ * إذْ قال لأبيهِ وقومِه ماذا تَعبُدون * أئِفكاً آلهةً دونَ اللهِ تُريدون * فما ظنُّكم بربِّ العالمين * فنظَرَ نظرةً في النُّجوم * فقال إنّي سقيم * فتولَّواعنه مُدْبِرين * فراغَ إلى آلهتِهم فقال ألا تأكلون * مالكم لا تَنطِقون * فراغَعليهم ضَرْباً باليمين * فأقبلوا إليه يَزِفُّون * قال أتعبُدونَ ما تَنحِتون * واللهُ خلَقَكم وما تعملون * قالوا ابنُوا له بنياناً فألقُوه في الجحيم * فأرادوابه كيداً فجعَلْناهمُ الأسفلين * وقال إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سَيَهدينِ * ربِّ هَبْلي من الصّالحين * فبشّرناه بغلامٍ حليم * فلمّا بلَغَ معه السّعيَ قال يا بُنيّإنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبحُك فانظرْ ماذا ترى قال يا أبتِ أفعلْ ما تُؤمَرُستجدُني إن شاءَ اللهُ مِن الصّابرين * فلمّا أسلما وتَلَّهُ للجبين * وناديناه أنيا إبراهيم * قد صدّقتَ الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المُحسنين * إنّ هذا لَهُوَ البلاءُالمُبين * وفَدَيناه بِذِبحٍ عظيمٍ * وترَكْنا عليه في الآخِرين * سلامٌ علىإبراهيم * كذلك نجزي المحسنين
صدق الله العظيم
*********************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
تقبلوا أطيب تهانئى القلبية لكم ولأسركم بالخير والبهجةى والسعادة ورااااحة البااااال .. لحلول عيد الأضحى المبارك ..
واللهم اجعلنا في هذا اليوم وفي كل يوم مثله من سائرالايام ..ممن حقق اياتك بأيقان .. واجابدعاتك بأيمان .. وارزقنا الفوز بفضلك .. ودار الاقامة في ظلك .. واسلكنا الخط المستقيم..واعذنا من نار الجحيم .. واعد علينا من بركات هذا العيد السعيد ..و اليوم الجديد .. بأتمالنعم ..واغزرها ، وازكى الحكم .. وازهرها .. واقرنا من وجودك مالا نستحقها الا بجودك .. واعصمناباليقين من الشك .. واحفظنا بالصدق من الافك .. ولا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا .. وثبتنا علىمعرفتك .. واحسن اجتماعنا بأهل الاحسان ..والحقنا باخواننا الذين سبقونا بالايمان ياالله يا علي يا عظيم.
وإلى أن نلتقى فى الجمعة القادمة .. أستودعكم الله .. فأنتظرونى ..
بقلــــم

صــلاح إدريــــس
[IMG]http://www.hameedki.com/forum/images/myframes/5_cdr.gif[/IMG]بســــم الله الرحمـــــن الرحيــــــــم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
أسم الموضوع :- إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
أسم الكاتــــب :- صـــلاح إدريــــس
رقم الموضوع :- ( 97 )
التاريــــــــخ :- الجمعة 12 نوفمبر 2010
التصنيـــــــــف :- دينـــى
****************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
أسمحوا لى فى هذه الجمعة المباركة ألا نتناول سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعودنا أسبوعيا .. فعيد الأضحى المبارك على الأبواب .. وقد رأيت أن نتناول سيرة سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل عليهما السلام .. ولأن سيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء فإن سيرته وأحداثها طويلة جدا جدا بحيث تكفى مجموعة كتب معا .. لذا فقد أخترت منها بعض المقتطفات عن زوجتيه وولده أسماعيل الذى تمناه من الله سبحانه وتعالى .. وصبر وإيمان أمه هاجر .. وقصة بيت الله الحرام وبناءه .. والصفا والمروة .. والقرابين والأضحية فى مواسم الحج .. ولعلنا جميعا نعلم هذه الرواية الخالدة عن سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل .. ولكن تفاصيلها مشوقة ورائعة .. وتوضح بحق إيمان وعزم وقوة سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام .. فهيا بنا نتعرف على هذه السيرة الرائعة .
**************
إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
*******************
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذمعه زوجتَه سارةَ وابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مملكة الأقباط،وهناك أهدى الملك فتاة اسمها هاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليل الرحمن.
مضىسيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، في الطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحلالبحر الميّت أمر سيّدنا إبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلىعبادة الله سبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَ طريقَهُ مع زوجتهِ سارةَوالفتاةِ هاجر إلى أرضِ فلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاً تحيطهالرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُ هناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينة الخليل.
ضرب سيّدنا إبراهيمخيامه في ذلك الوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلمات الطيبة..
كانسيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه، وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لاشريك له ولا معبود سواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُ إبراهيمَ الرجلالصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحه وعبادته وتقواه،وعرفوا حبّه للخير والناس.
***
ولكن من يدققالنظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناً في عينيه... لماذا ؟ لانسيّدنا إبراهيم يحبّ الاطفال.
كان يتمنّى ان يكون له طفل...
وها هو الآن قدأصبح شيخاً كبيراً وأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحتهخيمتهما؛ أو يلعب مع الحملان والخراف.
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّ زوجهاولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذات مساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدنا إبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه، وأنا راضٍبذلك.
قالت سارةُ المرأةُ الصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌ نرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـ ولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قد أصبَحتُعَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنا منهاأولاداً.
قال إبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي يا سارة.
ـ لن أحزنيا خليل الرحمن.. سأفرح بفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلى زوجها إبراهيمفتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعة أشهر حتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُبميلادِ إسماعيل.
***
وَهَب اللهسبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباً ملأ قلبَ أبيه فَرَحاًومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاته في خيمةِ أمّهِهاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّ سيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقت طفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارةلا تريد للغيرة أن تأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسبب ذلك..
منأجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأتهاجر، فستغار منها وتحقد عليها وهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانهرؤوف بعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانهابزوجها إبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربها وبرسولهإبراهيم.
***
وقضتمشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة فيالجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهبإليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفل الرضيع ساراأيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيم مكاناً جميلاً أو وادياًمعشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكون قد وصل المكان الموعود.
ولكنالملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسيرويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاًجرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلكالمكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزلإبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولايعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذاالمكان.
***
قبّل سيّدُناإبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
على إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَهاجرَ وابنَها في هذا المكانِ الموحشِ، بكى إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداًإلى فلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِالجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن اللهرؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت لابراهيم:
ـ ما دام ان الله قدأمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد إبراهيمُ بعد أن ودّعابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما منالشرور.
***
اختفىإبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه، أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجريحوله..
فرشت هاجر لابنها جلد كبش، وقامت لتصنع لها ولطفلها خيمة صغيرة.
كانتتعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعىوليدها.
في النهار تجمع بعض الحطب، وفي المساء توقد النار وتصنع لها رغيفاًتتعشّى به، وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضتعدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء.. لم يبق في القربة حتى قطرةواحدة.
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُيَملأه الصَّمت.
راحَت هاجرُ تُدير بَصَرها في جَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء،أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير فيسمائها طائر..
بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. كان عطشاناً يَبحثُ عن قَطرةِماء.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذهالأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِفي هذه الصحراء ؟!
فجأة تَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَشيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِغَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجلالقَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِوجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع.. لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هناوهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكانهناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كانصُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت فيالوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكنلا شيء! لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في قلبالوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِها إسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُيُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِ المَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَتتَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها مايُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوىالسَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيل غابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُمِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
راحَت هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِتَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ منالعَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْجَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عن بَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّمايكون قد ماتَ.. ربّما افتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْمِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَهناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِوهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِالرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُبِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
***
شَمَّتِالطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَتبمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
إسماعيل أيضاً كانَسَعيداً وهو يراها تَلعَبُ في الفضاء.
كان السُّكّانُ في تلك الصَّحاري يَعيشونَحياةَ الرُّحَّل.. ذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُطُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوانَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لميَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُزوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين.. قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُقالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.
ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُمقريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..
جاء سيّدُناإبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَبقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.
ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُمالوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..
أفرادُ القبيلةِ قَدَّموالإسماعيلَ كثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّملُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىً طيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِالعربِ الطيِّبين، تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
***
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَبيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُناإبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّالصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِبيتِ الله.
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِهالمُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ منالجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وكانَ عليهما أن يَجمَعا التُّرابَ ويُوفِّراالماءَ الكافي لِصنُعِ « المَلاط » اللازم في بناءِ البيت.
وهكذا بدأ البناءُ،نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِوجَمَعا التراب.
كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُالصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ منالصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناًلَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَالخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَيُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّيعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُيَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّ يومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِويَقولان: ربَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَالبناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأىسيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ العُليا.
في تلك الليلةِ كانَتِالشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
فيالصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه علىحَجَرٍ أبيضَ مِثلِ الثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُناإبراهيم ووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَأوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌباتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ، جَمَعَ سيّدُنا إبراهيم نَباتاً طيّبَالرائحةِ يُدْعى (الإذخُر ) فوَضعَه على الباب، وجاءت هاجَرُ أمُّ إسماعيل وأهدَتإلى الكعبةِ كِساءً.
***
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثمهَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَتقبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ خليلِالرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَطالمَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِزَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَ ناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَمرّات، وأدَّوا الصلاةَ ودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...
وبعدَهاانطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفا والمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيلذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَي عَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً فيالمَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَ قَطَعَت هذا الواديالمُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيف تَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذهالحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُالقادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا،ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَله.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍقدير.
***+
هَبَط المَلاكُجبريلُ وأمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفاتومِنى، ومن ذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِالتَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماءالمُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُالمَصابيحَ، فسجَدَ لله الخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحييويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. فيعالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ، ورأى ابنَهنائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُالرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّالعالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأوصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُ وغَمَرت التِّلالَبالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةًأخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُسبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليهأن يَذبحَ ابنَه ؟! ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَه بذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُ بالذبحِ ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَالذَّبح ؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى فيالمَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى ؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانه يأمرُرسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباه كثيراً، يَعرِفُأنّ أباه لا يَفعلُ شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَهاللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَفإسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِافْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.
سيّدُناإبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِورسولهِ.
***
أخَذَ سيّدُناإبراهيمُ سكينا وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُيُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُ نَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أنيَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِ الآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَناإبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحوالوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِالحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلىأبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكى من أجلِ أبيهِ الشيخ فأرادأن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـ يا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِ السِّكِّينَجَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُوقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُناإبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِالله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلىالأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة، يُودّعُ أُمَّهوأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِ إسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌوينتهي كلُّ شيء.
ماذا حَصَل في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءًلإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناًيَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُناإبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله،وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي منمِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِ الله... البيتِالذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَ حَولَهُ ويُمَجّدونَاسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كما سَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّم إبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَلأنّهم على دينِ إبراهيم، ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
***
هلتعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله. لماذا؟ لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُناإسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِعبدُالمُطَّلِب جَدُّ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ منجديد، وفي عهدِه هاجَمَ الجيشُ الحَبَشيُّ مكّة لَتدميرِ الكعبةِ، فدَعاعبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَحْميَ البيتَ الحرامَ من شَرِّ الأعداء واستَجابَالله دُعاءَ حفيدِ إبراهيمَ وإسماعيلَ، وأرسَلَ طَيراً أبابِيلَ قَصَفَت جيشَأبرهَةَ الحَبَشيّ ومَزَّقَته..
دعا عبدُالمطّلب الله سبحانه أن يَرزُقَهُعَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناًلله..
الله سبحانه رَزَق عبدَالمطّلب عشرةَ أبناء... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقدرَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلببين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّىالله عليه وآله، فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُمكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوا لعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ،واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّك حتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلبيَقرَع بينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُبالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها علىالفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ، ولكنّ الله رَضِيَبفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنامحمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين، لأنّه ابنُ عبدِالله بنِعبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.
واليومَ عندما يَذهَبُالمسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَ لأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَسيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله.
بسم الله الرحمنالرحيم
وإنّ مِن شيعتِه لإَبراهيم * إذْ جاءَ ربَّه بقلبٍسليمٍ * إذْ قال لأبيهِ وقومِه ماذا تَعبُدون * أئِفكاً آلهةً دونَ اللهِ تُريدون * فما ظنُّكم بربِّ العالمين * فنظَرَ نظرةً في النُّجوم * فقال إنّي سقيم * فتولَّواعنه مُدْبِرين * فراغَ إلى آلهتِهم فقال ألا تأكلون * مالكم لا تَنطِقون * فراغَعليهم ضَرْباً باليمين * فأقبلوا إليه يَزِفُّون * قال أتعبُدونَ ما تَنحِتون * واللهُ خلَقَكم وما تعملون * قالوا ابنُوا له بنياناً فألقُوه في الجحيم * فأرادوابه كيداً فجعَلْناهمُ الأسفلين * وقال إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سَيَهدينِ * ربِّ هَبْلي من الصّالحين * فبشّرناه بغلامٍ حليم * فلمّا بلَغَ معه السّعيَ قال يا بُنيّإنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبحُك فانظرْ ماذا ترى قال يا أبتِ أفعلْ ما تُؤمَرُستجدُني إن شاءَ اللهُ مِن الصّابرين * فلمّا أسلما وتَلَّهُ للجبين * وناديناه أنيا إبراهيم * قد صدّقتَ الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المُحسنين * إنّ هذا لَهُوَ البلاءُالمُبين * وفَدَيناه بِذِبحٍ عظيمٍ * وترَكْنا عليه في الآخِرين * سلامٌ علىإبراهيم * كذلك نجزي المحسنين
صدق الله العظيم
*********************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
تقبلوا أطيب تهانئى القلبية لكم ولأسركم بالخير والبهجةى والسعادة ورااااحة البااااال .. لحلول عيد الأضحى المبارك ..
واللهم اجعلنا في هذا اليوم وفي كل يوم مثله من سائرالايام ..ممن حقق اياتك بأيقان .. واجابدعاتك بأيمان .. وارزقنا الفوز بفضلك .. ودار الاقامة في ظلك .. واسلكنا الخط المستقيم..واعذنا من نار الجحيم .. واعد علينا من بركات هذا العيد السعيد ..و اليوم الجديد .. بأتمالنعم ..واغزرها ، وازكى الحكم .. وازهرها .. واقرنا من وجودك مالا نستحقها الا بجودك .. واعصمناباليقين من الشك .. واحفظنا بالصدق من الافك .. ولا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا .. وثبتنا علىمعرفتك .. واحسن اجتماعنا بأهل الاحسان ..والحقنا باخواننا الذين سبقونا بالايمان ياالله يا علي يا عظيم.
وإلى أن نلتقى فى الجمعة القادمة .. أستودعكم الله .. فأنتظرونى ..
بقلــــم

صــلاح إدريــــس
[IMG]http://www.hameedki.com/forum/images/myframes/5_cdr.gif[/IMG]بســــم الله الرحمـــــن الرحيــــــــم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
أسم الموضوع :- إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
أسم الكاتــــب :- صـــلاح إدريــــس
رقم الموضوع :- ( 97 )
التاريــــــــخ :- الجمعة 12 نوفمبر 2010
التصنيـــــــــف :- دينـــى
****************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
أسمحوا لى فى هذه الجمعة المباركة ألا نتناول سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعودنا أسبوعيا .. فعيد الأضحى المبارك على الأبواب .. وقد رأيت أن نتناول سيرة سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل عليهما السلام .. ولأن سيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء فإن سيرته وأحداثها طويلة جدا جدا بحيث تكفى مجموعة كتب معا .. لذا فقد أخترت منها بعض المقتطفات عن زوجتيه وولده أسماعيل الذى تمناه من الله سبحانه وتعالى .. وصبر وإيمان أمه هاجر .. وقصة بيت الله الحرام وبناءه .. والصفا والمروة .. والقرابين والأضحية فى مواسم الحج .. ولعلنا جميعا نعلم هذه الرواية الخالدة عن سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل .. ولكن تفاصيلها مشوقة ورائعة .. وتوضح بحق إيمان وعزم وقوة سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام .. فهيا بنا نتعرف على هذه السيرة الرائعة .
**************
إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
*******************
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذمعه زوجتَه سارةَ وابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مملكة الأقباط،وهناك أهدى الملك فتاة اسمها هاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليل الرحمن.
مضىسيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، في الطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحلالبحر الميّت أمر سيّدنا إبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلىعبادة الله سبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَ طريقَهُ مع زوجتهِ سارةَوالفتاةِ هاجر إلى أرضِ فلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاً تحيطهالرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُ هناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينة الخليل.
ضرب سيّدنا إبراهيمخيامه في ذلك الوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلمات الطيبة..
كانسيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه، وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لاشريك له ولا معبود سواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُ إبراهيمَ الرجلالصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحه وعبادته وتقواه،وعرفوا حبّه للخير والناس.
***
ولكن من يدققالنظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناً في عينيه... لماذا ؟ لانسيّدنا إبراهيم يحبّ الاطفال.
كان يتمنّى ان يكون له طفل...
وها هو الآن قدأصبح شيخاً كبيراً وأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحتهخيمتهما؛ أو يلعب مع الحملان والخراف.
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّ زوجهاولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذات مساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدنا إبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه، وأنا راضٍبذلك.
قالت سارةُ المرأةُ الصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌ نرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـ ولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قد أصبَحتُعَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنا منهاأولاداً.
قال إبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي يا سارة.
ـ لن أحزنيا خليل الرحمن.. سأفرح بفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلى زوجها إبراهيمفتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعة أشهر حتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُبميلادِ إسماعيل.
***
وَهَب اللهسبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباً ملأ قلبَ أبيه فَرَحاًومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاته في خيمةِ أمّهِهاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّ سيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقت طفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارةلا تريد للغيرة أن تأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسبب ذلك..
منأجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأتهاجر، فستغار منها وتحقد عليها وهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانهرؤوف بعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانهابزوجها إبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربها وبرسولهإبراهيم.
***
وقضتمشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة فيالجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهبإليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفل الرضيع ساراأيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيم مكاناً جميلاً أو وادياًمعشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكون قد وصل المكان الموعود.
ولكنالملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسيرويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاًجرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلكالمكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزلإبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولايعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذاالمكان.
***
قبّل سيّدُناإبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
على إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَهاجرَ وابنَها في هذا المكانِ الموحشِ، بكى إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداًإلى فلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِالجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن اللهرؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت لابراهيم:
ـ ما دام ان الله قدأمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد إبراهيمُ بعد أن ودّعابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما منالشرور.
***
اختفىإبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه، أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجريحوله..
فرشت هاجر لابنها جلد كبش، وقامت لتصنع لها ولطفلها خيمة صغيرة.
كانتتعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعىوليدها.
في النهار تجمع بعض الحطب، وفي المساء توقد النار وتصنع لها رغيفاًتتعشّى به، وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضتعدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء.. لم يبق في القربة حتى قطرةواحدة.
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُيَملأه الصَّمت.
راحَت هاجرُ تُدير بَصَرها في جَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء،أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير فيسمائها طائر..
بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. كان عطشاناً يَبحثُ عن قَطرةِماء.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذهالأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِفي هذه الصحراء ؟!
فجأة تَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَشيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِغَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجلالقَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِوجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع.. لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هناوهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكانهناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كانصُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت فيالوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكنلا شيء! لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في قلبالوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِها إسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُيُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِ المَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَتتَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها مايُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوىالسَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيل غابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُمِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
راحَت هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِتَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ منالعَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْجَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عن بَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّمايكون قد ماتَ.. ربّما افتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْمِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَهناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِوهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِالرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُبِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
***
شَمَّتِالطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَتبمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
إسماعيل أيضاً كانَسَعيداً وهو يراها تَلعَبُ في الفضاء.
كان السُّكّانُ في تلك الصَّحاري يَعيشونَحياةَ الرُّحَّل.. ذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُطُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوانَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لميَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُزوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين.. قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُقالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.
ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُمقريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..
جاء سيّدُناإبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَبقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.
ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُمالوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..
أفرادُ القبيلةِ قَدَّموالإسماعيلَ كثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّملُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىً طيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِالعربِ الطيِّبين، تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
***
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَبيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُناإبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّالصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِبيتِ الله.
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِهالمُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ منالجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وكانَ عليهما أن يَجمَعا التُّرابَ ويُوفِّراالماءَ الكافي لِصنُعِ « المَلاط » اللازم في بناءِ البيت.
وهكذا بدأ البناءُ،نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِوجَمَعا التراب.
كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُالصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ منالصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناًلَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَالخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَيُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّيعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُيَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّ يومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِويَقولان: ربَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَالبناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأىسيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ العُليا.
في تلك الليلةِ كانَتِالشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
فيالصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه علىحَجَرٍ أبيضَ مِثلِ الثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُناإبراهيم ووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَأوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌباتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ، جَمَعَ سيّدُنا إبراهيم نَباتاً طيّبَالرائحةِ يُدْعى (الإذخُر ) فوَضعَه على الباب، وجاءت هاجَرُ أمُّ إسماعيل وأهدَتإلى الكعبةِ كِساءً.
***
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثمهَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَتقبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ خليلِالرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَطالمَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِزَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَ ناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَمرّات، وأدَّوا الصلاةَ ودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...
وبعدَهاانطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفا والمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيلذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَي عَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً فيالمَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَ قَطَعَت هذا الواديالمُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيف تَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذهالحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُالقادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا،ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَله.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍقدير.
***+
هَبَط المَلاكُجبريلُ وأمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفاتومِنى، ومن ذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِالتَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماءالمُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُالمَصابيحَ، فسجَدَ لله الخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحييويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. فيعالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ، ورأى ابنَهنائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُالرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّالعالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأوصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُ وغَمَرت التِّلالَبالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةًأخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُسبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليهأن يَذبحَ ابنَه ؟! ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَه بذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُ بالذبحِ ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَالذَّبح ؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى فيالمَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى ؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانه يأمرُرسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباه كثيراً، يَعرِفُأنّ أباه لا يَفعلُ شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَهاللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَفإسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِافْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.
سيّدُناإبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِورسولهِ.
***
أخَذَ سيّدُناإبراهيمُ سكينا وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُيُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُ نَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أنيَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِ الآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَناإبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحوالوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِالحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلىأبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكى من أجلِ أبيهِ الشيخ فأرادأن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـ يا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِ السِّكِّينَجَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُوقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُناإبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِالله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلىالأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة، يُودّعُ أُمَّهوأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِ إسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌوينتهي كلُّ شيء.
ماذا حَصَل في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءًلإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناًيَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُناإبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله،وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي منمِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِ الله... البيتِالذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَ حَولَهُ ويُمَجّدونَاسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كما سَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّم إبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَلأنّهم على دينِ إبراهيم، ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
***
هلتعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله. لماذا؟ لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُناإسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِعبدُالمُطَّلِب جَدُّ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ منجديد، وفي عهدِه هاجَمَ الجيشُ الحَبَشيُّ مكّة لَتدميرِ الكعبةِ، فدَعاعبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَحْميَ البيتَ الحرامَ من شَرِّ الأعداء واستَجابَالله دُعاءَ حفيدِ إبراهيمَ وإسماعيلَ، وأرسَلَ طَيراً أبابِيلَ قَصَفَت جيشَأبرهَةَ الحَبَشيّ ومَزَّقَته..
دعا عبدُالمطّلب الله سبحانه أن يَرزُقَهُعَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناًلله..
الله سبحانه رَزَق عبدَالمطّلب عشرةَ أبناء... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقدرَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلببين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّىالله عليه وآله، فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُمكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوا لعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ،واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّك حتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلبيَقرَع بينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُبالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها علىالفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ، ولكنّ الله رَضِيَبفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنامحمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين، لأنّه ابنُ عبدِالله بنِعبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.
واليومَ عندما يَذهَبُالمسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَ لأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَسيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله.
بسم الله الرحمنالرحيم
وإنّ مِن شيعتِه لإَبراهيم * إذْ جاءَ ربَّه بقلبٍسليمٍ * إذْ قال لأبيهِ وقومِه ماذا تَعبُدون * أئِفكاً آلهةً دونَ اللهِ تُريدون * فما ظنُّكم بربِّ العالمين * فنظَرَ نظرةً في النُّجوم * فقال إنّي سقيم * فتولَّواعنه مُدْبِرين * فراغَ إلى آلهتِهم فقال ألا تأكلون * مالكم لا تَنطِقون * فراغَعليهم ضَرْباً باليمين * فأقبلوا إليه يَزِفُّون * قال أتعبُدونَ ما تَنحِتون * واللهُ خلَقَكم وما تعملون * قالوا ابنُوا له بنياناً فألقُوه في الجحيم * فأرادوابه كيداً فجعَلْناهمُ الأسفلين * وقال إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سَيَهدينِ * ربِّ هَبْلي من الصّالحين * فبشّرناه بغلامٍ حليم * فلمّا بلَغَ معه السّعيَ قال يا بُنيّإنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبحُك فانظرْ ماذا ترى قال يا أبتِ أفعلْ ما تُؤمَرُستجدُني إن شاءَ اللهُ مِن الصّابرين * فلمّا أسلما وتَلَّهُ للجبين * وناديناه أنيا إبراهيم * قد صدّقتَ الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المُحسنين * إنّ هذا لَهُوَ البلاءُالمُبين * وفَدَيناه بِذِبحٍ عظيمٍ * وترَكْنا عليه في الآخِرين * سلامٌ علىإبراهيم * كذلك نجزي المحسنين
صدق الله العظيم
*********************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
تقبلوا أطيب تهانئى القلبية لكم ولأسركم بالخير والبهجةى والسعادة ورااااحة البااااال .. لحلول عيد الأضحى المبارك ..
واللهم اجعلنا في هذا اليوم وفي كل يوم مثله من سائرالايام ..ممن حقق اياتك بأيقان .. واجابدعاتك بأيمان .. وارزقنا الفوز بفضلك .. ودار الاقامة في ظلك .. واسلكنا الخط المستقيم..واعذنا من نار الجحيم .. واعد علينا من بركات هذا العيد السعيد ..و اليوم الجديد .. بأتمالنعم ..واغزرها ، وازكى الحكم .. وازهرها .. واقرنا من وجودك مالا نستحقها الا بجودك .. واعصمناباليقين من الشك .. واحفظنا بالصدق من الافك .. ولا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا .. وثبتنا علىمعرفتك .. واحسن اجتماعنا بأهل الاحسان ..والحقنا باخواننا الذين سبقونا بالايمان ياالله يا علي يا عظيم.
وإلى أن نلتقى فى الجمعة القادمة .. أستودعكم الله .. فأنتظرونى ..
بقلــــم

صــلاح إدريــــس
[IMG]http://www.hameedki.com/forum/images/myframes/5_cdr.gif[/IMG]
بســــم الله الرحمـــــن الرحيــــــــم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
أسم الموضوع :- إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .أسم الكاتــــب :- صـــلاح إدريــــس
رقم الموضوع :- ( 97 )
التاريــــــــخ :- الجمعة 12 نوفمبر 2010
التصنيـــــــــف :- دينـــى
****************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
أسمحوا لى فى هذه الجمعة المباركة ألا نتناول سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعودنا أسبوعيا .. فعيد الأضحى المبارك على الأبواب .. وقد رأيت أن نتناول سيرة سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل عليهما السلام .. ولأن سيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء فإن سيرته وأحداثها طويلة جدا جدا بحيث تكفى مجموعة كتب معا .. لذا فقد أخترت منها بعض المقتطفات عن زوجتيه وولده أسماعيل الذى تمناه من الله سبحانه وتعالى .. وصبر وإيمان أمه هاجر .. وقصة بيت الله الحرام وبناءه .. والصفا والمروة .. والقرابين والأضحية فى مواسم الحج .. ولعلنا جميعا نعلم هذه الرواية الخالدة عن سيدنا إبراهيم وولده أسماعيل .. ولكن تفاصيلها مشوقة ور ائعة .. وتوضح بحق إيمان وعزم وقوة سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام .. فهيا بنا نتعرف على هذه السيرة الرائعة .
**************
إسماعيل .. الصابر .. المؤمن .. الراضى .
*******************
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذمعه زوجتَه سارةَ وابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مملكة الأقباط،وهناك أهدى الملك فتاة اسمها هاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليل الرحمن.
مضىسيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، في الطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحلالبحر الميّت أمر سيّدنا إبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلىعبادة الله سبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَ طريقَهُ مع زوجتهِ سارةَوالفتاةِ هاجر إلى أرضِ فلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاً تحيطهالرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُ هناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينة الخليل.
ضرب سيّدنا إبراهيمخيامه في ذلك الوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلمات الطيبة..
كانسيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه، وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لاشريك له ولا معبود سواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُ إبراهيمَ الرجلالصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحه وعبادته وتقواه،وعرفوا حبّه للخير والناس.
***
ولكن من يدققالنظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناً في عينيه... لماذا ؟ لانسيّدنا إبراهيم يحبّ الاطفال.
كان يتمنّى ان يكون له طفل...
وها هو الآن قدأصبح شيخاً كبيراً وأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحتهخيمتهما؛ أو يلعب مع الحملان والخراف.
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّ زوجهاولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذات مساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدنا إبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه، وأنا راضٍبذلك.
قالت سارةُ المرأةُ الصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌ نرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـ ولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قد أصبَحتُعَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنا منهاأولاداً.
قال إبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي يا سارة.
ـ لن أحزنيا خليل الرحمن.. سأفرح بفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلى زوجها إبراهيمفتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعة أشهر حتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُبميلادِ إسماعيل.
***
وَهَب اللهسبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباً ملأ قلبَ أبيه فَرَحاًومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاته في خيمةِ أمّهِهاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّ سيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقت طفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارةلا تريد للغيرة أن تأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسبب ذلك..
منأجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأتهاجر، فستغار منها وتحقد عليها وهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانهرؤوف بعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانهابزوجها إبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربها وبرسولهإبراهيم.
***
وقضتمشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة فيالجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهبإليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفل الرضيع ساراأيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيم مكاناً جميلاً أو وادياًمعشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكون قد وصل المكان الموعود.
ولكنالملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسيرويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاًجرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلكالمكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزلإبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولايعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذاالمكان.
***
قبّل سيّدُناإبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
على إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَهاجرَ وابنَها في هذا المكانِ الموحشِ، بكى إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداًإلى فلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِالجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن اللهرؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت لابراهيم:
ـ ما دام ان الله قدأمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد إبراهيمُ بعد أن ودّعابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما منالشرور.
***
اختفىإبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه، أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجريحوله..
فرشت هاجر لابنها جلد كبش، وقامت لتصنع لها ولطفلها خيمة صغيرة.
كانتتعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعىوليدها.
في النهار تجمع بعض الحطب، وفي المساء توقد النار وتصنع لها رغيفاًتتعشّى به، وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضتعدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء.. لم يبق في القربة حتى قطرةواحدة.
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُيَملأه الصَّمت.
راحَت هاجرُ تُدير بَصَرها في جَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء،أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير فيسمائها طائر..
بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. كان عطشاناً يَبحثُ عن قَطرةِماء.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذهالأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِفي هذه الصحراء ؟!
فجأة تَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَشيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِغَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجلالقَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِوجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع.. لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هناوهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكانهناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كانصُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت فيالوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكنلا شيء! لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في قلبالوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِها إسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُيُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِ المَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَتتَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها مايُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوىالسَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيل غابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُمِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
راحَت هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِتَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ منالعَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْجَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عن بَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّمايكون قد ماتَ.. ربّما افتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْمِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَهناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِوهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِالرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُبِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
***
شَمَّتِالطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَتبمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
إسماعيل أيضاً كانَسَعيداً وهو يراها تَلعَبُ في الفضاء.
كان السُّكّانُ في تلك الصَّحاري يَعيشونَحياةَ الرُّحَّل.. ذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُطُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوانَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لميَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُزوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين.. قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُقالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.
ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُمقريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..
جاء سيّدُناإبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَبقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.
ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُمالوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..
أفرادُ القبيلةِ قَدَّموالإسماعيلَ كثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّملُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىً طيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِالعربِ الطيِّبين، تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
***
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَبيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُناإبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّالصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِبيتِ الله.
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِهالمُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ منالجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وكانَ عليهما أن يَجمَعا التُّرابَ ويُوفِّراالماءَ الكافي لِصنُعِ « المَلاط » اللازم في بناءِ البيت.
وهكذا بدأ البناءُ،نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِوجَمَعا التراب.
كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُالصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ منالصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناًلَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَالخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَيُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّيعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُيَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّ يومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِويَقولان: ربَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَالبناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأىسيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ العُليا.
في تلك الليلةِ كانَتِالشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
فيالصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه علىحَجَرٍ أبيضَ مِثلِ الثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُناإبراهيم ووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَأوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌباتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ، جَمَعَ سيّدُنا إبراهيم نَباتاً طيّبَالرائحةِ يُدْعى (الإذخُر ) فوَضعَه على الباب، وجاءت هاجَرُ أمُّ إسماعيل وأهدَتإلى الكعبةِ كِساءً.
***
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثمهَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَتقبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ خليلِالرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَطالمَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِزَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَ ناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَمرّات، وأدَّوا الصلاةَ ودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...
وبعدَهاانطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفا والمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيلذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَي عَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً فيالمَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَ قَطَعَت هذا الواديالمُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيف تَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذهالحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُالقادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا،ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَله.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍقدير.
***+
هَبَط المَلاكُجبريلُ وأمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفاتومِنى، ومن ذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِالتَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماءالمُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُالمَصابيحَ، فسجَدَ لله الخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحييويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. فيعالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ، ورأى ابنَهنائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُالرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّالعالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأوصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُ وغَمَرت التِّلالَبالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةًأخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُسبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليهأن يَذبحَ ابنَه ؟! ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَه بذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُ بالذبحِ ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَالذَّبح ؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى فيالمَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى ؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانه يأمرُرسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباه كثيراً، يَعرِفُأنّ أباه لا يَفعلُ شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَهاللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَفإسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِافْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.
سيّدُناإبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِورسولهِ.
***
أخَذَ سيّدُناإبراهيمُ سكينا وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُيُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُ نَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أنيَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِ الآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَناإبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحوالوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِالحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلىأبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكى من أجلِ أبيهِ الشيخ فأرادأن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـ يا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِ السِّكِّينَجَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُوقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُناإبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِالله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلىالأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة، يُودّعُ أُمَّهوأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِ إسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌوينتهي كلُّ شيء.
ماذا حَصَل في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءًلإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناًيَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُناإبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله،وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي منمِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِ الله... البيتِالذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَ حَولَهُ ويُمَجّدونَاسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كما سَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّم إبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَلأنّهم على دينِ إبراهيم، ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
***
هلتعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله. لماذا؟ لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُناإسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِعبدُالمُطَّلِب جَدُّ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ منجديد، وفي عهدِه هاجَمَ الجيشُ الحَبَشيُّ مكّة لَتدميرِ الكعبةِ، فدَعاعبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَحْميَ البيتَ الحرامَ من شَرِّ الأعداء واستَجابَالله دُعاءَ حفيدِ إبراهيمَ وإسماعيلَ، وأرسَلَ طَيراً أبابِيلَ قَصَفَت جيشَأبرهَةَ الحَبَشيّ ومَزَّقَته..
دعا عبدُالمطّلب الله سبحانه أن يَرزُقَهُعَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناًلله..
الله سبحانه رَزَق عبدَالمطّلب عشرةَ أبناء... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقدرَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلببين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّىالله عليه وآله، فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُمكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوا لعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ،واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّك حتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلبيَقرَع بينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُبالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها علىالفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ، ولكنّ الله رَضِيَبفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنامحمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين، لأنّه ابنُ عبدِالله بنِعبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.
واليومَ عندما يَذهَبُالمسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَ لأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَسيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله.
بسم الله الرحمنالرحيم

وإنّ مِن شيعتِه لإَبراهيم * إذْ جاءَ ربَّه بقلبٍسليمٍ * إذْ قال لأبيهِ وقومِه ماذا تَعبُدون * أئِفكاً آلهةً دونَ اللهِ تُريدون * فما ظنُّكم بربِّ العالمين * فنظَرَ نظرةً في النُّجوم * فقال إنّي سقيم * فتولَّواعنه مُدْبِرين * فراغَ إلى آلهتِهم فقال ألا تأكلون * مالكم لا تَنطِقون * فراغَعليهم ضَرْباً باليمين * فأقبلوا إليه يَزِفُّون * قال أتعبُدونَ ما تَنحِتون * واللهُ خلَقَكم وما تعملون * قالوا ابنُوا له بنياناً فألقُوه في الجحيم * فأرادوابه كيداً فجعَلْناهمُ الأسفلين * وقال إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سَيَهدينِ * ربِّ هَبْلي من الصّالحين * فبشّرناه بغلامٍ حليم * فلمّا بلَغَ معه السّعيَ قال يا بُنيّإنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبحُك فانظرْ ماذا ترى قال يا أبتِ أفعلْ ما تُؤمَرُستجدُني إن شاءَ اللهُ مِن الصّابرين * فلمّا أسلما وتَلَّهُ للجبين * وناديناه أنيا إبراهيم * قد صدّقتَ الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المُحسنين * إنّ هذا لَهُوَ البلاءُالمُبين * وفَدَيناه بِذِبحٍ عظيمٍ * وترَكْنا عليه في الآخِرين * سلامٌ علىإبراهيم * كذلك نجزي المحسنين
صدق الله العظيم
*********************
أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..
تقبلوا أطيب تهانئى القلبية لكم ولأسركم بالخير والبهجةى والسعادة ورااااحة البااااال .. لحلول عيد الأضحى المبارك ..
واللهم اجعلنا في هذا اليوم وفي كل يوم مثله من سائرالايام ..ممن حقق اياتك بأيقان .. واجابدعاتك بأيمان .. وارزقنا الفوز بفضلك .. ودار الاقامة في ظلك .. واسلكنا الخط المستقيم..واعذنا من نار الجحيم .. واعد علينا من بركات هذا العيد السعيد ..و اليوم الجديد .. بأتمالنعم ..واغزرها ، وازكى الحكم .. وازهرها .. واقرنا من وجودك مالا نستحقها الا بجودك .. واعصمناباليقين من الشك .. واحفظنا بالصدق من الافك .. ولا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا .. وثبتنا علىمعرفتك .. واحسن اجتماعنا بأهل الاحسان ..والحقنا باخواننا الذين سبقونا بالايمان ياالله يا علي يا عظيم.
وإلى أن نلتقى فى الجمعة القادمة .. أستودعكم الله .. فأنتظرونى ..
بقلــــم
صــلاح إدريــــس