أسامة الشريف
استدعي ندمائي وشياطيني معا، ثم ننتظر وحياً تلكأ في المجيء؛ إليوت في الحديقة الخلفية، يقلم شجيرة الياسمين، ويردد بيتا من «الارض اليباب» بينما ألمح طيف هيمنغواي وهو يعد صلصة البيكانتي في المطبخ. لعل الحكيم يطاوعني ويترك حماره برهة كي يشاركني قهوتي. إنه عصر برج الدلو، كما تقول الأغنية الستينية التي تصدح من جهاز الستيريو الذي رافقني منذ ربع قرن. قناع الموت الخشبي ذو القرن المكسور يتفرسني من مكانه على الحائط. أجلس أمام شاشة حاسوبي وأحملق في جملة مفاتيح، هي مدخلي للكتابة والحياة.
في الحديقة، اليوت توقف قليلا عن تقليم الشجرة، وتمدد على العشب وراح ينظر الى السماء. ها قد زاره وحيه. أو لعله نام. وارنست يتأمل القناع الافريقي. كم أبدو أبله، وانا أحاول الاقتراب منه.
قريبا سيرحلون جميعا: الحكيم وحماره، اليوت وهيمنغواي ايضا وغيرهم. كم سأكون وحيدا عندئذ. أعتقد أنني أعاني من شبق فكري، لكن ماذا لو هربت الفكرة وبقى الشبق؟ سأخرج من هذه البطالة حتما، قريبا.
لا لون للسماء في هذه الأمسية الحائرة، بين شتاء مهزوم و ربيع يتحفز للجوء الينا. كتبي ترقبني من على الأرفف، بينما أتصفح مجلة لم تعد طازجة. أنا على وشك الاستلهام، أو هكذا أظن. لكن ندمائي لا يعيروني اهتماما. هل اجرؤ على رؤية العالم من حولي من خلال نظارة جويس، أو بصيرة بورخيس؟ كم يمتعنا هؤلاء وكم يدفعوننا للشقاء. صديقي الشاعر يطارح حبه حبا جديدا، وأنا اكتم غيظا قديما من فرط العدم، لعلي أحب اليوم فأكتب، أو أفجر غضبي فأكتب، أو أداعب كفا صغيرا لابن اختي الرضيع، فأكتب!
أتابع فيلما قديما لفاتن حمامة. هناك سحر خاص لافلام ايام زمان، بماذا تذكرني؟ بعصر فضي، كلون الافلام ذاتها، لم يعد موجودا؟ لعلها ذكورية البطل، بالروب دي شامبر، الحاضرة دائما؟ اهاتف صديقا في بلد آخر، وزمن آخر. إنه يفيض حيوية، الشاعر فيه استولى عليه، لقد وجد مستودعا للافكار الجديدة ، منجم الذهب الذي نبحث عنه جميعا. أعود لوحدتي وقلقي وانتظار الوحي.
الشاشة الرقمية البيضاء ترمقني ببلاهة وتنتظر. لعل كوابيسي تمدني بشيء ما. شتاء فات مرة واختطف عزيزا، لحظة فراق داهمتني قبل عقدين وما زالت مرارتها في فمي، وأوقات نمر فيها جميعا، نكون فيها شيئا آخر؛ مذعورين، مسكونين، ضعفاء ومهزومين. ثم هناك الموت الرابض في مكان ما. انه الحقيقة التي نرفضها، حتى عندما نموت.
البيت هادئ على غير عادته في مثل هذا الوقت من المساء، رحل الاولاد وبقينا. سميناها بداية، لكننا نماطل، فلليوم طقوس لا تتبدل. غيوم المساء هي نفسها، وقلق أول الليل لم يتغير، والخوف من غد لا نتوقعه يبقينا متحفزين. حسنا! الوحي لن يأتي! سأخرج وأترك ندمائي وشياطيني ورائي. في الشارع المحاذي شبه حديقة وبعض من مدينة. بيكاسو قد تعجبه مدينتي لو زارها. راع يمتطي حمارا، يقود قطيع غنم وكلبين، يمر من أمامي. لا يعير اهتماما للبيوت والشوارع التي اختلست ما تبقى من مراعيه. من هو الطارئ يا ترى؟ من هو الدخيل؟ فكرة، لا اعتقد.
في البيت الصامت يجلس كاتب ما، تضرب أصابعه لوحة المفاتيح لينسج مقالا. الشاشة البيضاء امتلأت وفاضت. الوحي يجلس القرفصاء فوق رف كتب ويملي. ما ألذ الشعور، ما ألذ اطفاء الشبق، واليوت في الحديقة الخلفية ينظر باهتمام بينما ارنست يحاول عبثا امتطاء حمار الحكيم! ها قد انفض اليوم وطقوسه، لم يكن مخاضا ابدا، انه ناد خاص بتقاليد غريبة، كم نحن محظوظون اذا ما انضممنا اليه!
× كاتب أردني ورئيس تحرير جريدة الدستور