نشر بمجلة المال والبنوك: الإمارات.
يصدرها معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية.
العدد 49 ديسمبر 2007م.. بتصرف

المفهومان الاقتصادي والفقهي للاكتناز
د. عبد الفتاح محمد فرح
المفهوم الاقتصادي للاكتناز:
تطلق كلمة "الاكتناز" كترجمة للمصطلح الاقتصادي (Hoarding) باللغة الإنجليزية، وتعريف الاكتناز بمعناه الاقتصادي أنه: "إمساك النقود وحبسها عن التداول" وقد يكون الاكتناز بدفن النقود تحت الأرض أو بحفظها في الصناديق داخل البيوت، وعدم إخراجها للتداول في أسواق النقود ورأس المال.
الاكتناز لغة:
يستخدم الاكتناز كمرادف للفظ الكنز، أو يفهم كذلك لما لهما من الاشتراك في أصل الكلمة التي هي من كنز يكنز كنزا. والاكتناز هو صيغة الافتعال من كنز. والافتعال أشد معنى من فعل، بما فيه من قصد الفعل وتصنعه. كما يقال سمع واستمع، فالاستماع أشد في المعنى في تصنع الفعل؛ من مجرد السماع الذي قد يكون بغير قصد. كما جاء في قوله تعالى: "الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه"
وكذلك يكون التفريق بين النمو والتنمية، فالكلمة الأولى تطلق على النمو الطبيعي في الاقتصاد، بينما الأخرى تطلق على ما يصاحب قصد الفعل والافتعال من أساليب التخطيط والتنفيذ والمتابعة.
المفهوم الفقهي للاكتناز:
وفي الفقه الإسلامي، فإن معنى الكنز المرتبط في مدلوله بالاكتناز، هو: "تكديس الأموال، وإمساكها عن الإنفاق الواجب". ومثال الإنفاق الواجب هو عدم إخراج الزكاة، أو امتناع الرجل عن الإنفاق على الزوجة والأطفال.
والاكتناز حرام شرعا. وفيه قول الله تعالى: "...والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا م كنتم تكنزون" . التوبة الآية 34- 35
ازدواجية المفهومين:
ولعل اختيار كلمة الاكتناز كمصطلح اقتصادي لكلمة (Hoarding)؛ قد أحدث خلطا مع المعنى الفقهي للاكتناز -والسابق في وجوده على المصطلح الاقتصادي- فترتب على المصطلح الاقتصادي سوء فهم للمعنيين.
فمن يفهم المصطلح الفقهي، دون الاقتصادي، جعل الاكتناز بمعناه الاقتصادي أمرا محرما، برغم اختلاف المعنيين. ومن أدرك المعنى الاقتصادي، دون المعنى الفقهي سلم بأنه غير محرم، ودون أن يبدي تشككا؛ وقد يتعجب من كيفية تحريمه.

أوجه الاختلاف:
يكمن الفرق بين الاصطلاحين فيما يأتي:
1. الاكتناز بالمعنى الاقتصادي هو حبس المال عن التداول في أسواق السلع ورأس المال والنقود؛ بينما الاكتناز في الفقه الإسلامي هو عدم دفع الزكاة والإنفاق الواجب.
2. دفع الزكاة والإنفاق من المال في الواجب يخرجه عن الاكتناز بالمعنى الفقهي ولو ظل باقي المال محبوسا عن التداول.
3. خروج المال إلى التداول في الأسواق يخرجه عن الاكتناز بالمعنى الاقتصادي ولا يخرجه عن المعنى الفقهي ما لم يدفع الزكاة وينفق منه في الواجب.
أوجه الشبه:
ولكي ينطبق معنى الاكتناز في الاقتصاد والفقه لا بد من انطباق شروط الاكتناز الفقهي على الاكتناز الاقتصادي، وشروط الاكتناز الاقتصادي على الاكتناز الفقهي.
شروط الاكتناز الفقهي:
1. أو أن يكون المال فاضلا عن حاجة المكتنز ومن يعولهم، وبالغا النصاب ومر عليه الحول ومحبوسا عن الزكاة.
2. أن يكون المال محبوسا عن الإنفاق الواجب (غير الزكاة).
3. أن يكون صاحب المال بالغا رشيدا، فإن كان صبيا أو مجنونا وجب إخراج الزكاة على وليهما.
شرط الاكتناز الاقتصادي:
1. أن يكون المال خارج التداول.
أقسام المال من حيث الاكتناز:
تنقسم الأموال من حيث الاكتناز الفقهي والاقتصادي إلى أربعة مناطق:
منطقتان للأموال المزكاة:
1. المنطقة الأولى: أموال مزكاة ومتداولة:
الأموال في هذه المنطقة مزكاة ومتداولة، وتخرج عن نطاق الاكتنازين الفقهي والاصطلاحي، وهي أفضل المناطق في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فهي منطقة محثوث عليها شرعا واقتصادا؛ للآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتميز بها. فتداول المال ينشط الحركة الاقتصادية، والزكاة أداء لفريضة دينية، وتوجه المال صوب المزيد من التداول؛ لأن مصارفها تتجه في معظمها صوب الاستهلاك وتزيد من التوجه نحو الاستهلاك المشجع للإنتاج، وهو ما يسمى بالميل الحدي للاستهلاك (Marginal Propensity to consume) فبزيادته تزيد حركة الإنتاج والتوزيع.
2. المنطقة الثانية: الأموال مزكاة وغير متداولة
الأموال في هذه المنطقة مزكاة وغير متداولة، وهي مرحلة أقل فضلا من سابقتها وأرفع درجة من المنطقة الثالثة، بسبب أداء الزكاة ودورها الاقتصادي والاجتماعي.
منطقتان للأموال المكتنزة (غير المزكاة شرعا):
3. المنطقة الثالثة: الأموال غير مزكاة ومتداولة:
الأموال في هذه المنطقة غير مزكاة؛ ولكنها متداولة، وهي منطقة محرمة شرعا، وأفضل اقتصاديا من المنطقة الرابعة.
4. المنطقة الرابعة: الأموال غير مزكاة وغير متداولة:
الأموال في هذه المنطقة غير مزكاة وغير متداولة. وهي أسوأ المناطق شرعا واقتصادا؛ فهو محرم شرعا، وغير مرغوب فيه اقتصاديا، وهي تعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويحدث الانطباق بين المعنيين الاقتصادي والفقهي في المنطقة الرابعة سلبا والأولى إيجابا ويختلفان في الربعين الثاني والثالث.
ويمكن تقسيمها وفقا للتداول:
منطقتان للأموال المتداولة:
(1) أموال مزكاة ومتدداولة
(3) أموال غير مزكاة ومتداولة
منطقتان للأموال المحتبسة (غير المتداولة اقتصاديا):
(2) أموال مزكاة وغير متداولة
(4) أموال غير مزكاة وغير متداولة

الخلاصة:
§ كلا من المعنيين الفقهي والاقتصادي للاكتناز لا يغطي أحدهما كل نطاق المعنى الآخر؛ ولكن يتسع كل منهما لجزء من الآخر؛ ليخرج جزء من المعنى الاقتصادي عن نطاق التحريم، ويدخل في التحريم جزء آخر منه.
§ أما إذا تم إطلاق المعنى الاقتصادي على المعنى الفقهي؛ فإنه يخرجه عن مضمونه.
§ ولذلك كله ينبغي الحذر من الخلط بين المعنيين.


-------------------------------------------------------------------------------------

هل تعلم انه يمكنك مناقشة هذا الموضوع مع أصدقائك بالفيسبوك ؟؟ ..
وانك لست بحاجة لتسجيل الدخول، ولا حتى أن تكون عضوا بحميدكي حتى تتمكن من التعقيب على المواضيع في هذا الموقع؟؟
جرب الآن ! .. أكتب تعليقك هنا بالأسفل وسيظهر أيضا بصفحتك الشخصية على الفيسبوك..

ما زال بامكانك أيضا التعقيب على الموضوع بالطريقة الاعتيادية من خلال زر الرد الموجود بأسفل المشاركة (سيينشر ردك في المنتدى فقط)