صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 23

الموضوع: قصة أم الخير

  1. #1

    قصة أم الخير

    الإهداء..
    إلى أهلي في وادي حلفا الذين تشكل وعيي على ايديهم والذين هم في سويداء القلب.. "محل قبلت القاهم معايا معايا زي ضلي ولو ماجيت من زي ديل كان وآ اسفاي وآ ذلي" .. وإلى طقت الفيحاء التي كانت مسرح القصة ومنبعها.. والتي ذهبنا إليها معلمين فتعلمنا فيها الكثير.. الكثير، وكم كنت امني النفس ان ترقى بقية مدارس السودان لمستواها الرفيع.
    ومن قبل الإهداء لأطفال السودان كافة ممثلين في "أم الخير" الطفلة الكردفانية البريئة التي تشع ذكاءً ، والتي ساقتها الأقدار للعمل في بيت احد الزملاء بعيد موجة الجفاف التي استمرت سبع سنوات عجاف، وكانت ام الخير" الحقيقية "هي الشرارة والمداد الذي انسكب في هذه الوريقات.

    علي بتيك ــ خور طقت الثانوية 1991م

  2. #2

    مشاركة: قصة أم الخير

    أسرتها تتالف من خمسة افراد، والدها قضى نحبه محاولا الوصول إلى ليبيا عبر دروب الصحراء القاحلة.هي الوسطى بين زهرات ثلاث. كانت حياتهم بسيطة للغاية خالية من أي تعقيدات كتلك التي يألفها أهل الحضر. ربما نجمت البساطة من بيئتهم التي ترعرعوا فيها.
    بلا مقدمات شهدت تلك المناطق اكبر موجة جفاف قضت على الجيوب الخضراء بعدما انقطعت عنها شرايين المطر، وجفت الضروع وطوقتهم رمال الصحراء فكان الصمود اللا معقول إلى ان تساقط الناس الواحد تلو الآخر.. شهدت ام الخير وفاة والدتها واختيها بعدما انهارت قواهم واصفر لونهم وما عاد في القرية من يقوى على مواراتهم الثرى. لم تبقى إلا جدتها لأبيها التي قاسمتهم السكن وكانت بمثابة الأب لتصبح كل شيء بعد ذلك. تجسدت الماساة في الأطفال الذين تنتفخ بطونهم فيصابون "بالإسهالات" ليلاقوا مصيرهم المحتوم بعدما نفد ما عندهم من الحبوب. كيف لا وهم يقتاتون على حيواناتهم التي يسارعون إلى ذبحها قبل ان تهلك.
    ابتسم القدر لأم الخير وجدتها فقد طارت أنبائهم لقرى الصعيد الذين هبوا لنجدتهم،وكان ان جاءت إحدى "اللواري" السفرية لتقف على الطلال وتاخذ بيد الناجين من الأشباح والذين من بينهم أم الخير وجدتها، لتسدل الستار على حياة وديعة ويسلمون امرهم لله الذي لا تضيع ودائعه.
    انقضت رحلة السفر بمعاناتها التي لا تقل عن اهوال الجفاف، لتصل بهم العربة إلى مشارف مدينة الأبيض* . وطوال الرحلة كانوا يلاحظون خلو القرى شيئا فشيئاً من اهلها تاركين اشلاء حيواناتهم التي كادت أن تغطى الأرض على اتساعها. وفي اليوم الثالث وبعد مسير متواصل ليل نهار حطت رحالهم في اطراف مدينة الأبيض ، ليشاركوا من سبقوهم الإستقرار في منازل من الصفيح والخيش في حي "الروكب" كما تعارف عليه اهل الأبيض. في أول الأمر كانت تقدم لهم وجبات الإغاثة القادمة من داخل وخارج البلاد عبر المنظمات الطوعية والرسمية. ولكن تزايد أعداد الوافدين مع إشراقة كل يوم قلل من الحصة المقدمة للنازحين، فكان ان ولجوا المدينة للعمل في المنازل، والبعض للتسول في شوارع ومساجد المدينة، بينما انحرف البعض مزاولاً تجارة الحرام تحت وطأة الضغوط التي يتعرضون لها.

    .. يتبع
    *الأبيض عاصمة إقليم كردفان وهي بورصة الصمغ العربي اذ بها اكبر سوق للصمغ في العالم.

  3. #3

    مشاركة: قصة أم الخير

    ام الخير كانت في مقتبل العمر بسنواتها الثمانية بينما قاربت جدتها الثمانين او هكذا تبدو، ومن ثم لا سبيل لعملها. وبدأت الأمور تزداد سوءً مع توعك الجدة وتدهور حالتها الصحية، فقررت التحرك بدلاً من انتظار نهايتها المحتومة فاصطحبت أم الخير معها وغادرت "الروكب" مع يزوغ الفجر، وكان المارة ــ على قلتهم ــ يجودون عليها بالمال دونما تسالهم ولعل حالها لا يحتاج لسؤا. إلى ان وقفتا بباب أحد المنازل الصفراء بالحي الحكومي، لتعبث ام الخير بقفل الباب لينطلق صوت من الداخل مرحباً بالقادم أول الصباح.. رجل في عقده الخامس يفتح الباب قائلاً: "أهلاً يا حجة.. مرحب فضلوا.." فاجابته قائلة: "إزيك يا ولدي .. أنا مبروكة.. الشفناه الله لايوريكم ليه.. دي بنتي ام الخير الفضلت لينا..دحين خلوها لي معاكم.. الله يسترك ويحفظ جنياتك.." في هذه الأثناء استيقظ كل من بالداخل ليقفوا مشدوهين حيال ما ينظرون. فقطع صالح حيرتهم طالباً من زوجه ليلى أن القيام بواجب الضيافة تجاه مبروكة وبنتها.. إلا أن الحاجة مبروكة أصرت على الذهاب بعدما اطمأنت على بيت صالح، وخرجت والدموع تفيض من عينيها.. بينما أم الخير تجول ببصرها والحيرة تعقد لسانها. قطع صالح صمتها قالاً لها: " إزيك يا بنتي ..اسمك منو؟" .. :"أم الخير حمّاد" . جاءت ليلى بالشاي وطلبت إليها غسل وجهها ..واردف صالح: "دي خالتك ليلى.. ودي أختك وصاحبتك ماريا.. وداك مؤيد ولدي.." لم يقطع حديث صالح صمت ام الخير ، لكن أسارير وجهها انشرحت لتلك الإبتسامة التي ارتسمت على وجه ماريا، بعدما توقف صالح عن الكلام. اصطحبت ماريا ام الخير لحجرتها.. هنا أسرعت ليلى ملاحقة صالح في غرفته ورشقته بالعديد من الأسئلة حول ام الخير وما ينوي القيام به؟.. صالح هذا من أبناء الشمال ن قدم إلى كردفان موظفاً حكومياً، طيب القلب، يألفه كل من يقابله، فهو لذلك من أعلام مجتمع الأبيض، فضلاً عن كونه يشغل مدير مصلحة المساحةبالمديرية.هزته قضية الجفاف وإفرازاتها، وكان كثيراً ما يؤكد لزملائه في جلساته المسائية بفناء منزله العامر انها قضية إنسانية .. وأنه لا بد لكل مواطن أن يطلع بدوره تجاه هذه المشكلة، لذلك فهويرى ان الله قد أكرمه بأم الخير ليطبق أفكاره وما كان ينادي به على أرض الواقع. آراؤه كانت تلقى صداً طيباً لدى الجميع لكونها تنبعث من إنسان صادق، ذو قلب مفعم بالخير.. كيف لا وهو من الذين حبّب الله إليهم فعل الخيرات.
    ... يتبع

  4. #4
    ادارة الموقع
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الدولة
    الامارات العربية
    المشاركات
    688

    مشاركة: قصة أم الخير

    يا لها من قصص إنسانية واقعية حزينة مؤثرة
    أسلوبها سلس وكلماتها معبرة
    سرد متميز
    وعمل يستحق التقدير
    فهنيئا للقراء بهذا المبدع الذي يسخر وقته وجهده من أجلنا جميعا

  5. #5

    مشاركة: قصة أم الخير

    شكراً لك أخي عبد الفتاح أرصد ولكلماتك المشجعة، وأعتذر للانقطاع القسري لأسباب آخرها صعوبة ولوج الموقع بعد التغيرات التي نشيد بها..
    تحياتي لكل رواد الموقع ومن يقوم على ادارته.

  6. #6

    مشاركة: قصة أم الخير

    ليلى وكنساء أهل الشمال سارعت لإرضاء زوجها، فأقبلت على أم الخير واعتنت بنظافتها وأمدتها ببعض ثياب ماريا ليتغير حال أم الخير بعدما أزيل عنها ركام الأيام فهي كالمعادن النفيسة التي توجد مختلطة بالشوائب في باطن الأرض والتي ما تلبث أن تعود لبريقها و لنضارتها بعد تعدينها.. سبحان الله كانت على لسان كل من يراها بدءً بليلى وانتهاءً بمؤيد. وشيئاً فشيئاً أصبحت أم الخير جزءً لا يتجزأ من أسرة صالح محجوب، إلى أن قرر إلحاقها بالمدرسة التي تتعلم فيها ماريا، والحق يقال فقد سعى لذلك سعياً حثيثاً رغم عقبة السن التي شكلت حجر عثرة أول الأمر فأبناء الموظفين يلحقون بالمدرسة في سن السادسة وأم الخير في أواخر عامها الثامن، لكن الأستاذة خالدة وكيلة المدرسة ـــ جارتهم في المسكن ـــ ذللت الصعاب ليتم قبولها بالصف الأول، بينما ماريا تسبقها بعام دراسي كامل. كانت أم الخير قد التحقت بالخلوة * قبل أن تحل بقريتهم الكارثة، وحفظت ثلث القرآن الكريم، ومن غرائب ما علق بذهنها من تلكم الأيام أن كل الدارسات بالخلوة سلمن من داء البطن الذي ألم بصغار القرية، وأن شيخ الخلوة كثيراً ما كان يحدثهن عن الابتلاءات كأنما يعدهن لما سيحدث بالقرية.
    تولت أم الخير تلاوة قرآن الطابور الصباحي بصوتها العذب، ولسانها الطلق، وثباتها الموثوق، بخلاف نديداتها بالمدرسة واللائي تكثر أخطاؤهنّ ويتلعثمنّ في قراءتهنّ. الجميع لاحظ أن أم الخير تتمتع بدرجة عالية من الذكاء، وأنها تستجيب بسرعة فائقة، وهو ما انعكس جلياً في المنزل اذ كانت تباشر مهاماً عديدة دون انتظار توجيهات الخالة ليلى. نفس التقارير أكدتها الَمدرَسةُ ،والأستاذة خالدة في أحاديث نساء الحي،وكان ذلك مدعاة لأن يعجب بها الأستاذ نورين مدير الإذاعة الإقليمية ــ زوج خالدة ــ ويصطحبها لبرنامج الأطفال الأسبوعي قارئة لقرآن الافتتاح، ثم مقدمة لكل البرنامج بعد ذلك مضيفة نجاحاً إلى نجاحاتها التي بهرت الجميع. وكانت أم الخير تحزن لتأخر ماريا في دراستها لدرجة أن أم الخير سبقتها بعام دراسي كامل. بل أصبحت تعينها على فهم دروسها مما كان له الأثر في تحسنها وتقدمها التعليمي. وحببت إليها القراءة ودربتها على لعب الشطرنج، بعدما أتقنت لعبه أم الخير وأصبحت تتمكن من هزيمة مؤيد وصديقه هشام الذي لم يكن يفارق مؤيد إلا وقت القيلولة. استطاعت ماريا أن تعبر المرحلة الابتدائية بنجاح لتلحق بركب أم الخير التي ستمتحن بدورها للانتقال إلى المرحلة الثانوية. أما مؤيد فقد كان من المبرزين بمدرسة خور طقت الثانوية * بينما صديقه هشام بمدرسة الأبيض الثانوية. وفي خور طقت أظهر مؤيد قدرات فذة وجذبته طقت الفيحاء بمناشطها الثرة، وبين الفينة والأخرى كان يتعاطى السياسة في إطار جماعي كما هو دأب الطلاب، وكان يعاود المنزل مرتين في الأسبوع ليقضي معهم ليلتين في الشهر يفضي فيها إليهم بأخبار طقت التي شكّلت معالم شخصيته فأحبت الأسرة مدرسة خور طقت ، وأصبح والده صالح من أعضاء مجلس آبائها الفاعلين. وكان هشام يزور صديقه بطقت من حين لآخر. ازداد تعلق ماريا بأم الخير لاسيما بعد خروج شقيقها مؤيد، وكذا ليلى التي ما عادت تفرق أم الخير ووحيدتها في شيء.

    يتبع

  7. #7

    مشاركة: قصة أم الخير

    أٌعلنت نتيجة الشهادة المتوسطة ليأتي هشام مسرعاً تسبقه أشواقه مداهماً منزل العم صالح بلا استئذان ــ كعادته منذ ذهاب صديقه مؤيد لطقت ـــ مبروك .. مبروك أم الخير أحرزت المرتبة الأولى على مستوى الإقليم، لتنهمر دموع الفرح من عيون ليلى التي سهرت على راحتها وعبثاً تحاول إخفاءها. أما ماريا فقد سارعت لتحتضن أم الخير، بينما سٌمع صالح يتمتم بعبارات الحمد والثناء في الصالة التي كان يؤدي صلاته فيها. عم الخبر أرجاء حي الموظفين الذين تدافعوا مهنئين مباركين كل يحمل هديته، ولعل أقرب هدية لقلب أم الخير كان الحذاء الذي قدمته لها زهرة الأجيرة في منزل ملانا محي الدين قاضي المديرية ووالد هشام. وهكذا كانت أم الخير من أولى المقبولات بمدرسة الأبيض الثانوية للبنات.
    وتمضي الأيام لتزداد معاناة صالح مع مرض السكر الذي ارقه طويلاً ، وجرحه الذي لايندمل في أصبعه، ليقرر السفر إلى الخرطوم طلباً للعلاج. وقد اتفق مع زوجه ليلى على ألا تخبر البنات بأمره، أو القول بأنه ذاهب في مأمورية عمل. وفي المساء والجميع يراقبون التلفاز توسط صالح أم الخير وماريا وخاطبهن قائلاً " بالمناسبة أنا بكرة ماشي الخرطوم..إن شاء الله الجميلات عاوزات شنو من الخرطوم؟" فأردفت ماريا: "خير يا بوي" فرد: " لا أبداً كلها يومين تلاتة" .. لم تنطق أم الخير وكأنها ترى ما وراء الحجب، مكتفية بالابتسامة قائلة: "حاديك جواب لمؤيد". كان مؤيد حينئذ طاباً في كلية الزراعة في جامعة الخرطوم، ويبدو أن آراء والده التي كثيراً ما كان يستمع إليها في فناء المنزل مع ضيوف المساء حول موارد السودان المهولة خاصة الزراعية قد رسمت له وجهته وحددت له معالم الطريق. هرولت أم الخير وفي أعقابها ماريا إلى حجرتهن لإعداد الخطابات. صالح لم يكن كثير الأسفار فهو لم يغادر الأبيض إلا قليلاً بخلاف رحلات العمل.. أهله يستقرون بالقطينة * منذ أوائل القرن العشرين، بينما تعود أصوله إلى لمنطقة النوبة شمالي السودان.

  8. #8

    مشاركة: قصة أم الخير

    وفي الخرطوم توجه أولاً إلى شمبات * حيث مقر مؤيد ابنه في كلية الزراعة وعثر على أحد زملائه، والذي سارع مرحباً بالعم صالح واصطحبه إلى لداخلية الطلاب * معتذراً له عن تأخر مؤيد الذي كان مداوماً على محاضراته. وفي حجرة السكن الخاصة بابنه وجد مجموعة من الطلاب الذين استقبلوه بالبشر والترحاب، ودخلوا معه في حوار صاخب عن الوضع بالبلاد، وكان صالح يعمل على تهدئة حماسة الشباب مردداً أنتم أمل البلاد والعباد أسأل الله أن يوفقكم، يجب ألا تغفلوا قولكم هذا بعد التخرج إذ لا بد من العمل في مواقع السودان المختلفة حيث الزراعة والتنمية الحقيقية. في هذه الأثناء دخل مؤيد يسبقه صوته قائلاً: "أبوي حمد الله على السلامة.. كيف الوالدة وأخواتي؟ إن شاء الله طيبين؟" أجاب والده: "بخير يا ولدي ..كيف عامل مع الدراسة؟".. "الحمد لله كلو تمام يا بوي" .. وهنا غادر الزملاء الحجرة مفسحين لمؤيد الذي بادره والده : " والله يا مؤيد زي ما عارف السكر تعبني شوية قلت أجي أطمئن وأزور الوالدة والأخوات في القطينة بعد كده".. اضطرب مؤيد قليلاً فقد لاحظ نحول جسم أبيه، وتحول جل شعره إلى بياض.. قطع صالح صمته قائلاً : "أفتكر أحسن نتحرك لمقابلة الدكتور يا ولدي" ..:" مش تفطر في الأول يا بوي" .. :" كتر خيرك يا ولدي.. أصحابك وزملاءك ما قصروا.. الحمد لله".. :" خلاص نمشي الخرطوم في مركز متخصص في علاج مرض السكر مجهز بأحدث الأجهزة وكبار الإخصائيين".. " بالله على بركة الله".
    لم يحادث مؤيد والده البتة أثناء رحلة الحافلة وسط زحام المرور.. لعلها المرة الأولى التي أحس فيها بإمكانية فقدان والده نتيجة إهمال السكر. أعجب الوالد بأسرة المركز الطبي وبشاشة وجوههم بدءً من الاستقبال ومروراً بالممرضين وانتهاءً بأساتذة الطب، وبعد إجراء التحاليل المطلوبة أخبرهم الطبيب بتفاقم السكر، وأنه لا مناص من بتر أصبعه.. أغرورغقت عينا مؤيد ، ليجيب صالح بثباته المعهود :" الخير فيما اختار الله أنا جاهز يا دكتور".

  9. #9

    مشاركة: قصة أم الخير

    أبدت أم الخير اهتماماً بالمجتمع والعمل الطوعي، وحاولت الانخراط في التنظيم الشبابي شبه الرسمي، لكن نظرتها للاختلاط، وسطحية مفاهيم الشباب حالت دون ذلك. وهو ما دفعها للتعاون مع إحدى المنظمات الأجنبية العاملة في مجال الإغاثة،فكانت تقضي زهاء الساعة أسبوعيا في "الروكب" وضاعفت من مجوداتها بعد وفاة جدتها التي قلبت مواجعها تارة أخرى. وهو ما كان له تأثير ملحوظ حتى في تحصيلها الأكاديمي، إذ تأخرت قليلاً عن مستواها في امتحانات الشهادة السودانية، وتمكنت من الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية في جامعة الخرطوم. وقام مؤيد بإجراءات القبول صحبه في ذلك صديقه الملازم هشام المتخرج في الكلية الحربية أو "مصنع الرجال" كما كان يطلق عليها دائماً ..أصبح منزل صالح في حالة يرثى لها ، وكان الوجوم بادياً في وجوه الجميع عند وداعهم لأم الخير التي تسافر للمرة الثانية طوال عمرها الذي شارف العشرين ربيعاً. وفي تلك اللحظات بدأ صالح يفكر جدياً في الانتقال للعمل بالخرطوم، خاصة وأن ماريا ستجلس بدورها لامتحانات الشهادة السودانية في العام المقبل.
    وفي الجامعة تبرمت أم الخير من المظهر العام خاصة الطالبات اللائي قلدن نساء الفرنجة في كل شيء، وأصرت أم الخير وتمسكت بثوبها وزيها السوداني، ومن ثم فهي لم تتخذ منهن غير صديقة واحدة قربتها وشاركتها في السكن، وهي إيمان القادمة من ديار المناصير*.
    حصل مؤيد على مرتبة الشرف الأولى في تخرجه، وبٌعث في منحة للدراسات العليا بالولايات المتحدة الأمريكية، لكنه كان قلقاً ربما خوفاً من أن لايرى والده ثانية، بعدما تزامن الضغط والسكر. قرر السفر إلى الأبيض ليودع أسرته بعدما تحدد له أن يغادر لأمريكا مطلع الأسبوع القادم. رافقه هشام بعربته العسكرية التي أراحتهم كثيراً واختصرت لهم الزمن إلى الثلث تقريباً مقارنة بالعربات الكبيرة "اللواري" التي يستغلها أهل كردفان عادة. كان صالح مسروراً وهو يربت على كتف ولده مؤكداً له ثقته فيه وأنه أصبح رجلاً يٌعتمد عليه، مسلح بالعلم، سائلاً الله أن يوفقه في بلاد العم سام ويحفظه ، طالباً ألا تنقطع رسائله.

    يتبع

  10. #10

    مشاركة: قصة أم الخير

    تسارعت الأيام ليطوي صالح محجوب سجله الحافل في عروس الرمال* التي تنادت يوم وداعه وكرّمته بما يليق وتفانيه في العمل، وتواضعه وتعامله الراقي مع الجميع. لم يتخلف عن ذلك الحفل أي من معارفه ــ وهم كثرــ ليجتمع حاكم الإقليم وبائع التمباك* ، وعامل المخبز، والخضرجي، وهم من يشكلون دائرة صالح اليومية. وتبارى الجميع في مدحه، ومنحته الحكومة قطعة أرض سكنية بالدرجة الأولى عرفاناً منها له. وخرج الحي عن بكرة أبيه في وداع أسرة صالح مطالبين ألا تنقطع الصلة بالأبيض، واعدين بزيارتهم في القطينة، وحملوهم التحايا لأم الخير. وقد تمكنت زهرة من كتابة خطابها بيدها هذه المرة بعدما تحررت من الأمية، وكان لأم الخير الفضل في حثها وشحذ همتها لذلك وفي القطينة قُوبلوا بنفس الحفاوة والدفء الاجتماعي الذي وُدعوا بها من قبل أهل الأبيض. واستقر بهم المقام في بيت العائلة الكبير.
    وفي آخر الأسبوع توجه صالح لكلية الاقتصاد مسجلاً أول زيارة لأم الخير في كليتها، ليجدها وإيمان في حوار مع دكتور المنذر الأستاذ بالكلية والعائد حديثاً من بعثته في المملكة المتحدة. والذي لم يدع سانحة إلا ومدح وأثنى وأشاد بأم الخير. تولت أم الخير تعريفهم بالعم صالح، والذي بدوره دعاهم لتشريفهم بمنزلهم الكائن في القطينة. أعتذر الدكتور المنذر ولم يدع الفرصة لإيمان، وهموا بتقديمه إلى البوابة الخارجية بعدما فرغوا من شرب المياه الغازية، لكنه شكرهم وأسرع مودعاً إياهم.
    وفي نهار الخميس تحركتا صوب القطينة، وكانت إيمان أكثر شوقاً لرؤية ماريا التي ما فتئت أم الخير تحدثها عنها طوال العامين السابقين. إيمان كانت مندهشة ومعجبة بأسرة صالح ، وتستغرب أن يكون في زمانهم المادي هذا أمثال هؤلاء. وفي طريقهم إلى المنزل كان الشباب يرمقونهم بنظرات الإعجاب، ولهم العذر في ذلك فأم الخير تتمتع بجمال أخاذ يضفي عليه الثوب بعداً لا يوصف.

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. صباح الخير
    بواسطة Ayman Hussein Yamani في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2009
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-19-2009, 07:29 AM
  2. الكعبة وما فيها من أسرار وتاريخها كامل
    بواسطة Ayman Hussein Yamani في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2009
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-01-2009, 10:15 AM
  3. دعوة من جمعية أرض الحجر بالرياض
    بواسطة علي بتيك في المنتدى مجموعة أزهار و أشواك : الاستاذ علي بتيك
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-18-2006, 02:21 AM
  4. عن كتاب رياض الصالحين
    بواسطة محمد عبده مختار في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2005
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-10-2005, 06:48 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •