عندما تبكي المروءة
صباح الأربعاء الماضي وفي السادسة إلا ربعاً وبينما كنت في طريقي إلى عملي كما تعودنا كل يوم، عرجت على محطة للتزود بالوقود وبينما كنت أهم بمحاسبة العامل إذا بامرأة في مقتبل العمر لا يرى منها إلا عيناها تقترب من السيارة طالبة أن اقلها إلى العليا أو أي مكان بخلاف ذلك الذي تقف فيه معللة طلبها بوجود "محرم" تقصد ابني مؤيد معي! وكأنها قرأت دهشتي فأردفت قائلة بأنها تقصد المطار لكن كل سيارات الأجرة "الليموزين" التي تعبر من هذا الطريق تقل زبائن، وهي محقة فيما ذهبت إليه لأن أغلب الركاب من عمال اليوميات الذين يتحركون مع تنفس الصبح. المهم قبلت ورحبت، وبعد لحظات من ركوبها سألتني ما إن كانت الشرطة تتعقبنا! فقلت مستغرباً: الشرطة لا تتعقب إلا الخارجين على القانون، فقالت: "عشان وقفتي لوحدي وهم كانوا يناظرون.. والواحدة بتحب تحافظ على نفسها، لكن أهو البلد دي زي ما أنت عارف..". وبعد ذلك مدت لي بورقة نقدية من فئة العشرة ريالات فرددتها طالباً منها ألا تحرمنا من الدعاء لأن المسافر دعاؤه مستجاب إن شاء الله. أخبرتها بأنها ستغادرنا عند شارع "التحلية" إذ عليّ أن أنعطف يميناً حيث مقر عملي، فوافقت شاكرة مادحة داعية. وقبل التوقف لإنزالها سألتني قائلة ــ لو ما فيها حرج وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليك ــ ممكن بعد ما تنزل ابنك في المدرسة تكمل جميلك توصلني للمطار الله يبارك فيك! فاعتذرت لارتباطي بعملي.. فقالت: طيب لو ما فيها حرج وانت رجال محترم وعشان معاك ابنك محرم ـــ تقصد ابني مؤيد أيضاً ــ هل ممكن لو عندنا مشاوير عائلية نستعين بك! وقبل أن تطلب تليفوني أو غيره "هرشتها" يا ست المحرم يكون لك أنت، أخوك، زوجك، أبوك.. فاعتذرت مغادرة السيارة مرتبكة وبسرعة.
طرحت الموضوع على الإخوة الزملاء في العمل، فكان الإجماع على إدانتي كيف أحمل "لغماً"؟ رغم اختلاف الجنسيات والطبائع والعادات إذ فيهم مصريين وسعوديين ويمنيين وفلسطينيين، وسوريين، فقلت يا جماعة الخير السيدة محجبة وتتأبط حقائبها، وكان الوقت مبكراً ــ الشارع خالي من شياطين الإنس أو المنافقين الذين يتخلفون عن صلاة الفجر مع الجماعة ــ وأننا تعودنا على تقديم ما في الوسع لكائن من كان، وأنه ولو وقع ما تخافون كأن تتجنى عليّ أو نحو ذلك فالله منجيني ويمكن الأخذ بإفادة مؤيد أو شهادة عامل المحطة، ولو لم يجدي كل ذلك لما ندمت على مكروه يصيبني مع سلامة النية والمقصد ولأن أمر المؤمن كله خير، وذكرتهم بأحاديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه التي تحث وتحض على فعل الخيرات.. وحذرتهم من عواقب مخالفة ذلك وقلت أخشى أن يكون الشاعر قد قصد زماننا هذا بقوله:
مررت على المروءة وهي تبكي)))((( فقلت علام تنتحب الفتاة
فقالت كيف لا أبكي وأهلي)))((( جميعاً دون خلق الله ماتوا
وختمت مداعباً " ليت القمة العربية تخرج بمثل هذا الاجماع إدانة واستنكاراً وشجب.. إذ لم يبقى لنا غير ذلك.