صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 39

الموضوع: تراجيديا نوبية

  1. #11

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    (4) رمضان فوق صفيح ساخن
    نشأ رمضان وترعرع مع أمه بجوار تلك القرية النوبية الوادعة المتكئة على النيل منذ آلاف السنين.لاأحد يعرف عنهم شيئاً من هم.. ومن أين جاءوا..الخ. لكنهم اندمجوا وانسجموا وانخرطوا بيسر وسهولة في المجتمع النوبي وأصبحوا يجاهرون بانتسابهم لتلك الأرض وحضارتها الغابرة، وكل من يستمع لأحاديث رمضان وأمه والتي تكون بنوبية فصيحة مبينة لايستطيع أن يشكك في ذلك "التبني" الحضاري.
    لم تدخر الأم جهداً لأجل أن ترى ابنها مثل أبناء الآخرين ينتظم في المدارس، ويلبس أحسن الثياب، ويشتري أطيب الحلويات المصرية التي تفيض بها أرفف متاجر القرية. رمضان لم يخيب ظنها إذ كان من المتفوقين ولم يدع المركز الأول لغيره إلا مرة واحدة عندما داهمته الحمى. وبعد تخرجه في الجامعة حاول تأكيد انتمائه لتلك الأرض وذلك بمصاهرة إحدى أسرها، لكن الرفض وبلا تردد كان سيد الموقف ولم تشفع لهم كل تلك السنوات التي قضوها ضاربين أروع مثال في حسن المعشر والجوار. بعدها ضاقت القرية واسودت في عيني رمضان الذي قرر الهجرة ربما بحثاً عن وطن بديل. عمل كطبيب بيطري لسنتين بجنوب كردفان تعرف خلالها على أحد الكنديين العاملين في مجال الإغاثة والعون الإنساني، والذي سهل له أمر السفر إلى كندا لتنقطع أخباره خاصة بعد التحاق أمه به. حقق رمضان نجاحات باهرة في كندا مما أكسبه وضعاً متميزاً، لكن الحنين إلى الأرض والقرية كانت تزيد من قلقه، خاصة مع وصية أمه والتي تجددها مع كل شروق بأن تدفن في القرية مع الناس الذين تحب، وذلك بعدما يئست من رجوعها حية ولو في زيارة قصيرة. تدهورت حالة الأم النفسية لدرجة أن دخلت في إضراب مفتوح عن الطعام حتى يستجاب لمطالبها والتي منها أن يتزوج رمضان من إحدى حسان القرية، وأن تنفذ وصيتها التي تقدم ذكرها، وكلاهما يصعب تنفيذه!!
    استمع رمضان ملياً لصديقه إياد الفلسطيني الذي لخص له مأساة بلدهم وكيف أنهم لايزالون يعيشون ويحيون على أمل العودة إلى دير ياسين التي غادروها مكرهين قبل أكثر من أربعة عقود. فكر رمضان ملياً وطار الكرى من عينيه تلك الليلة، ليفاجئ أمه في صبيحة اليوم الأول من رمضان ويزف إليها خبر سفرهم مطلع الأسبوع القادم في إجازة إلى البلد لصوم ما بقي من رمضان،ثم العيد هناك. انتفضت الأم ورجعت إلى سنوات شبابها تماماً مثلما كانت عند مجيئها للقرية لأول مرة في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. وأصرت على التسوق لتوفير قائمة طويلة من الهدايا التي كان لكل بيت في القرية نصيب منها حتى حلاوة العيد "كورينميد" اشترتها من أسواق كويبك الناطقة بالفرنسية.
    رحبت القرية بشيبها وشبابها، أطفالها ونسائها، أيما ترحيب برمضان وأمه، وزودوه بقائمة الذين غيبهم الموت خلال ربع قرن خلت. رفض العم صادق السماح لهم بالتوجه إلى بيتهم الواقع على تخوم القرية. صادق هذا والد ملاذ التي سبق وأن تقدم رمضان لخطبتها. وكانا قد قدما لتعزيته في موت صالح "زوج ملاذ"الذي توفي قبل أن يبني بها. مما حرك الأشواق وجدد الأمل والغرام المحفوف بالخوف المكتسب من التجربة السابقة. لكن فؤاد أعز أصدقاء رمضان مهد الطريق وردم الهوة لترتفع أصوات الطرب مع تباشير عيد الفطر وتغشى البهجة كل بيوت القرية التي علتها الزينات ولاغرابة في ذلك إذ كانت مسرحاً لأروع قصص الحب و الغرام الملتزم بأخلاق القرية. وعندها قرر رمضان تمزيق وثيقة سفره الكندية ليقطع كل خيط يمكن أن يبعده مجدداً عن قريته

  2. #12

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    (5)"أتلانتس" النوبية
    فريد وحيد نادر شاب نوبي اجتمعت فيه وتوافرت كل ما تحب أن تراه في ابنك، من أدب جم، وحب للناس، ونجاح في مسيرته التعليمية، وقبل هذا وذاك رضا الله ووالديه فهو اسم على مسمى كما يردد كل من عرفه. كان فريد كثيراً ما يتبرم من الاستعلاء "الأجوف" الذي يمارسه أبناء عمومته وأصحابه الذين ينتمون لنفس الأرض التي ترعرعوا ونشأوا على خيراتها وفوق ترابها وقرب نيلها الخالد لأن أولئك كانوا ينسبون كل شيء قسراً ويردونه لأصل نوبي بلا دليل أو بينة أو شاهد علمي. كان فريد مجيد ومحترف في تحدثه باللغة النوبية "الرطانة"، تماماً مثل إتقانه للعربية والإنجليزية . بدأ فريد يبحث ويتقصى في علم الحضارات، ويقرأ ويسأل كل من له علاقة بتلك العلوم خاصة ما يتعلق منها بالحضارة النوبية ، لعله في البدء كان يسعى لفض الاشتباك بين النوبية والفرعونية التي قيل أنها تغولت وتطفلت وتمددت على حساب الحضارة النوبية التي ظلم أهلها مرتين إذ لم يستفيدوا حتى من ريعها السياحي الذي يشكل ثاني مصادر الدخل القومي لدولة مصر الشقيقة. كان فريد لايخفي تضايقه من محاولة البعض الإشارة على استحياء لدور الإسلام وثقافته ولسانها العربي في طمس هويتهم الحضارية. وتفسيره لذلك أنه يأتي ضمن منظومة التدافع الحضاري، وسنن الله في تداول الأيام لاتصادم الحضارات كما يشيع الغربيون.ووقف على شواهد عديدة من خلال دراسته وتنقيبه في علم الحضارات التي سادت ثم بادت، وتلك التي تلاشت نهائياً دون أن تترك أثراً كما هو حال النوبية التي لاتزال لغتها فقط على الأقل حية مطروقة في بعض الأمصار.لكن السؤال المطروق في ذهنه دائماً والذي أرقه وغض مضجعه .. ماذا أضافت حضارتنا للإنسانية لنتميز عن الآخرين؟ وكان هذا أحد مداخله في بحثه الذي أعياه، وانتقل منه لإبراز إسهامات كل الحضارات ــ البابلية، الآشورية، الفرعونية، الصينية، الأنكا، الهنود الحمر وغيرها ــ فيما يشهده العالم اليوم من تطور مذهل في شتى المجالات والتي انطلقت في أوربا منذ الثورة الصناعية قبل نحو من أربعة قرون. لم يجد إجابات تشفي غليله عند أولئك الذين يتشدقون بالنوبة ويتعلقون بأهدابها تعلقاً أجوفاً متوارثاً بلا علم أو تثبت، ليدخل ويرتد إلى مكتبته ثانية ويعتكف منقباً بين كتبه وقارئاً نهماً لكل ما كتب عن النوبة خاصة من علماء الآثار الغربيين في الدوريات والصحف اليومية وغيرها، والتي كان يتصيدها ويتعقبها ويسعى إليها بنهم لأنها كانت تشعره بالزهو والإعجاب مثل عوام أبناء بلدته في أول الأمر. كان يقارن نفسه بأولئك الذين يعكفون ويجدون في البحث عن القارة المفقودة "أتلانتس" أو يسعون لإماطة اللثام وكشف حقيقة مثلث برمودا، تبدلت أحوال فريد إذ أصبح ميالاً للانطواء والعزلة حتى وسط أسرته التي تعودت على نشاطه وحيويته وتعليقاته التي تكشف عن ذكاء حاد وسرعة في البديهة اشتهر بها وسط أقرأنه ورفقاء دراسته، وكانت جدته تشخص ذلك بأنه لايعدو كونه عين أصابته لتتنقل به بين الشيوخ دون جدوى . في نهاية المطاف أصابه الإعياء وتأخرت حالته.. مما اضطر والده لعرضه على اختصاصي نفساني شخص حالته بأنها انفصام في الشخصية (شيزوفرينيا). ليتغير شكله وملمحه وكأنه خارج من سجن مكث فيه نصف عمره وكل ما جناه من رحلته تلك هو اسم ولقب جديد ألصقه به أبناء بلدته ألا وهو شبتاكا أحد أشهر الملوك الذين امتد نفوذهم إلى مصر شمالاً حتى أنه عرف بسيد القطرين .

    __________________

  3. #13

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    (6) العيدية " كورينميد"
    آمال هي البنت الكبرى،تخرجت في كلية الطب،وعملت في مستشفى الأطفال الذي واكبته منذ أن وُضع حجر أساسه. وأصبحت تشغل وظيفة المدير العام بعد عودتها من بعثتها في ايرلندا، وبعدما تخصصت في طب الأطفال. قبل سفرها لبعثتها عُقد قرانها على شاب نوبي يعمل في قسم العلاقات العامة ، يبدو أن بحثه المضني عن "أكل العيش" وحظه العاثر كانا السبب في تعينه في تلك الوظيفة التي يفتقر لأهم مقوماتها. وهو ابن خال أمِّها ويقيمون في مدينة كوستي التي هاجر إليها والدهم قبل نصف قرن من الزمان . قبلت الدكتورة على مضض بهذا العريس خاصة وأن والدها كان يفضل ويحبذ تقديم الزواج على البعثة ربما لتقدم آمال في السن إذ صارت على أعتاب الأربعين. تيسير كان سعيداً بهذه الزوجة الجاهزة،وزاد من سعادته كونها تنحدر من نوبة الشمال وهو ما يحقق شرط أمه الذي حددته وخطته منذ أمد بعيد لنيل موافقتها على زواجه. رافقها طوال بعثتها والتي دامت لسنتين، أعانها في تدبير أمر البيت، إذ كان يؤدي أغلب الأعمال المنزلية دون تبرم، ثم انتقل بعدها لرعاية ابنهما وائل الذي رزقا به في خواتيم البعثة.ومن يومئذ بدأت إمارات عدم الرضا وعلامات سخطه تطفو إلى السطح، وكان كثيراً ما يختم مشاجراته الحادة معها بقوله ليتني استطيع إرضاع وائل لأن ذلك ما ينقصه ويحتاجه فعلاً يا دكتورة.. أنت "مش فاضية" يا هانم!!
    وبعد عودتها من البعثة محققة نجاحاً باهراً وتقلدها للإدارة العامة ازدادت أحوالهما سوءًا مع عدم قدرته على التكيف مع بيئة العمل والمنظومة الإدارية القوية لحرمه المصون، فآثر السلامة وقدم استقالته، وبدأ يفكر جدياً في الهجرة إلى الخليج، ساعدته الدكتورة مادياً في ذلك كله. سافر تيسير لتنقطع أخباره حتى إنه لم يبادر إلى تعزية زوجه عند وفاة والدها جَدُ وحيده وائل!!. صبرت آمال واحتسبت غيابه وكرست حياتها لابنها ومهنتها أو عشقها ودنيتها كما كانت تردد لأقربائها ومعارفها. أصرّت والدتها على حضورها للبلد في العيد الذي يعد أول عيد بعيد موت والدها وتلك مناسبة ــ أول كوري ــ يتشبث بها النوبيون إلى يومنا هذا. وفيه تختفي كل مظاهر السعادة والفرح الغامر الذي يميّز يوم العيد ــ الحلوى والكعك وغيره ــ وتأتي منذ الصباح الباكر كل نساء القرية مقبلات من كل صوب وحدب مواساةً وتجديداً لفقدهم ومصابهم الجلل. وائل كان يُغضب جدته بتقديمه خلسة للحلوى لكل داخل لبيتهم في صباح العيد وهو ما تعتبره الجدة أمرا مشينا ومهيناً ومعيباً لهم وسط أهلهم وذويهم. فتسارع أمه لإخراجه قائلة له: تجول و"لف " مع الأولاد وقم بزيارة بيوت القرية كما تعود صغارها في كل عيد،فيستجيب ويرجع إليها منتفخ الجيوب بالحلوى والأموال التي يسارع الكبار بتقديمها لصغارهم ويطلقون علي ذلك " كور ينميد" أو العيدية كما درج الآخرون على تسميتها. وهذا البعد الاجتماعي الأخاذ وغيره جعل ابنها وائل يتعلق بالقرية ويصرّ على عدم مغادرتها في نهاية الإجازة. فما كان من أمه إلا الرضوخ والاستجابة والنزول على رغبة وحيدها مع تطمينات أمها وأخواتها لها. لكنها لم تقوى على فراق ابنها بعد عقد من السنين ملأ خلالها قلبها قبل بيتها وشغلها حتى عن نفسها مع تسارع الأيام ، كيف لا وهو لها بمثابة البلسم الذي يخفف من لوعتها وصدمتها و نكبتها وابتلائها في زوجها الهارب من مسؤولياته. كتبت إلى وزارة الصحة مطالبة بإجازة لمدة سنتين بدون مرتب، ما لبثت أن تحولت إلى طلب نقل نهائي ــ وتهديد بالاستقالة في حال الرفض ــ إلى بلدتهم النوبية الرائعة بأهلها، والتي يحتاج صغارها إلى مثل طبها ورعايتها.. لتبدأ منعطفاً آخراً من مسيرتها ازداد فيه تعلقها بالنوبة أرضاً وشعباً، وبدأت تستدعي تلك الإشارات التي كان والدهم رحمه الله يحرص على بثها وغرسها وإحيائها في أبنائه كلما اجتمعوا حول مائدة طعامهم إذ كثيراً ما كان يردد لم يبق لنا إلا الأرض واللسان إياكم ثم إياكم من تضيعهما. لم تكتفي الدكتورة بما يليها فقط بل أسست منظمة مدنية لحصر كل الكوادر البشرية التي تنتمي لهذا التراب، ثم كان السعي الحثيث لتذليل كل الصعاب التي تحول دون هجرتهم العكسية والقدوم إلى أرض الأجداد والتاريخ والحضارة متخذين من شطر البيت المشهور "يد سلفت ودين مستحق" شعاراً لمنظمتهم تلك..لتصبح تلك المنظمة الفتية حديث النوبيين أينما وجدوا ربما لمنحاها العملي الجاد وهو الأسلوب الذي تفتقر إليه المنظمات النوبية على كثرتها.

  4. #14

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    الرائع بتيك ابن النوبة

    معذرة أخي النوبي النبيل بتيك فهذه هي المرة الأولى التي سمحت لي الظروف فيها بالاطلاع على هذه المنظومة الرائعة.

    اشتم عبق النوبة وعمق الانتماء والوفاء في كل المواقف والايحاءات والإشارات.

    كلما انتهيت من آخر كلمة من حلقة وجدتني وقد بدأت الثانية حتى أتيت على آخر كلمة كتبتها وأنا أردد ... هذه رسالة أخرى رائعة ... فبوركت وجوزيت عنا وعن النوبة خيرا.

    نعم بتيك اتحفنا بإبداعاتك ودعنا نعيش معك ومع أبطال رواياتك النوبية ، واصل ولا تتأخر علينا ونرجو أن نلتقي يوما بإذن الله في أرض النوبة (نوبة إركوني) ذلك الفردوس المفقود.

    مع تحياتي


    أبو مصطفى

  5. #15

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    التحية لك أخي ابو مصطفى والشكر لك لكلماتك الرقيقة.. سائلاً الله أن نكون عند حسن ظنكم وسائر أهلنا الأخيار الرابطين في أرض الحضارات.. والتحية من ورائك لرواد حميديكي قاطبة.

  6. #16

    مشاركة: تراجيديا نوبية


    (7)نساء خالدات "حجه رحيلا"
    قليلون هم الذين تظل ذكراهم محفورة في وجدان البشر ليتناقلوها جيلاً بعد آخر. نشأ علي المشهور بـ"علوبي" مثله مثل أقرانه في تلك القرية لايعرف عن أبيه غير اسمه والذي روي له أنه يمم وجهه شمالاً إلى أرض الكنانة في أواخر أربعينيات القرن الماضي طلباً للرزق في قصورها الملكية بعدما ضاقت الأرض وما عادت حيازتهم الزراعية تستوعب تلك السواعد الفتية التي تعج بها قريتهم المرتمية في أحضان النيل. تولت عمته رحيلا أمر تربيته وتنشئته تماماً كأغلب أبناء جيله من الذين لم يحظوا برؤية آبائهم . وبعدما كبر علوبي وشب عن الطوق وجد نفسه مديناً في حياته لتلك الحجه التي ما غفلت عنه يوماً واحداً، لدرجة أنها كانت كثيراً ما تتدخل لفض الاشتباكات التي تحصل بين الصغار في القرية والتي يكون علوبي طرفاً فيها، بل كانت تسارع إلى المدرسة كلما استدعي أولياء الأمور. ومن الأمور التي استوقفت علوبي كثيراً بعد التحاقه بالجامعة، استحواذ المرأة النوبية على جل اهتمامه وتفكيره منطلقاً من تجربته الخاصة وعلى مستوى قريتهم الوديعة والتي شكل الإناث فيها نحو من 65%، وتقلصت فيها نسبة المواليد، وغاب عنها الرجال سنين عدداً، لدرجة ان البعض منهم مثل مذنب هالي لم تطأ قدامهم القرية إلا مرة واحدة في القرن.. حتى أن أيام عودتهم كانت بمثابة أعياد للقرية برمتها نساءًا وأطفالاً. بل إن كثيراً من نساء القرية لم يعرف علوبي بأنهن كن متزوجات إلا عندما يأتي خبر وفاة الزوج وتشرع النساء في تهيئتها للعدة "الحبس"!! كما لاحظ أن جل أبناء القرية ينسبون لأمهاتهم ربما لحضورهن القوي فهن الكل في الكل. كان من رأي علوبي أن النساء في قريته ظلمن أيما ظلم، وأنه عزم على رد بعض تلك الحقوق لمن فارقن هذه الفانية ولم يتفوهن بكلمة واحدة في حق أزواج اقل ما يقال في حقهم أنهم لم يقوموا بواجباتهم تجاه أسرهم كما ينبغي. ومن العبارات التي لاتفارق ذاكرته وتؤرقه كلما تذكرها هي تلك التي كان بعض نساء القرية يعتبرنها منقصة ويعيرن بها عمته رحيلا عند حدوث المنازعات الأسرية والتي تضطر النساء للعب دور الرجال فيها والعمل على فضها بأقل الخسائر صوناً لنسيج القرية الاجتماعي ووشائج أرحامها، فقد كانت بعض النساء تعيب على رحيلا عدم زواجها رغم تخطيها سن الخمسين!! وهذا أيضا مما حير علوبي أذ أحصى حالات مشابهة بعدد أصابع يديه في قريتهم، والحيرة تأتي من كون الزواج كان إجباريا بالنسبة لجيل الآباء والأجداد، ولا أحد يختار شريكة حياته بل يتزوج ما يقرره الكبار وفي الغالب كانت بنت العم هي المصير. لكنه كان يعزي ذلك لقوة شخصية حجه رحيلا إذ كانت مهابة الجانب، عالية الصوت، و تملك من الشجاعة والجرأة ما يؤهلها لمخاطبة الرؤساء والوزراء عند زيارتهم العابرة لقريتهم، إذ كانت تتصدى لقضايا منطقتهم وتتفوه وتصرح بما يعجز عن الهمس والبوح به رجال القرية من رسميين وشعبيين و كانت تنتزع الفرص انتزاعاً لتحاور المسئولين مباشرة وسط إعجاب الحاضرين . وكلما ذاع صيت أي من نساء العالمين كانت رحيلا تحضر وبقوة في ذهن علوبي، لأنها ــ من وجهة نظره ــ لاتقل عن السيدات الأوائل، أو زوجات الشهداء، أو العالميات مثل مارجريت تاتشر التي لقبها الإنجليز بالمرأة الحديدية، أوالأم تريزا التي أطلقوا عليها أم الإنسانية ومنحوها جائزة نوبل. وشرع علوبي يفكر بطريقة جدية في كيفية تخليد وتكريم نساء قريته ممثلات في عمته رحيلا، ليقرر تخصيص جائزة سنوية وميداليا نقشت عليها عبارة "نساء خالدات" من حر ماله تمنح للمرأة المثالية في الإقليم النوبي.

  7. #17

    مشاركة: تراجيديا نوبية


    (8)رجل من الأمس
    العم دهب في الخامسة والسبعين من عمره، يعيش مقعداً على كرسي متحرك منذ أكثر من أربعين سنة هي عمر مأساة إغراق بلده. ورغم قوة شخصيته وشكيمته لكن قلبه الطيب لم يقوى فيما يبدو على تحمل ابتلاءين الإغراق، وإصرار شقيقه الأصغر عبده ــ الذي تولى هوتربيته وتعليمه ــ على الهجرة، ليصاب بجلطة خرج منها مقعداً. دهب رجل عاشق لبلده وترابها لدرجة مرضية إذ كثيراً ما كان يشتبك مع العابرين من وإلى مصر ويتصدى لتطاولهم على بلدته وأهلها بكل ما أوتي من قوة، وكانت عيونه تفيض حزناً على عدم إدراك أولئك لمعنى الارتباط بالأرض والنيل والحضارة.
    كان العم دهب أكثر إصرارا على ربط أبنائه وأحفاده بلغتهم النوبية ولم يتحدث بغيرها معهم قط، وهو يرى في هذا الحل الأنجع للحفاظ على لغتهم بدلاً من إهدار الجهد والمال في المعاهد التي تقوم في الأساس على تعليم اللغات التي لم تندثر حروفها بعد. كما كان من عادة العم دهب أن يجمع أسرته الممتدة وجيرانه في كل جمعة لتناول وجبة التركين في بيتهم العامر. وكان كثيراً ما يحدثهم عن رمزية ودلالة هذه الوجبة من تكافل وتآزر في مجتمعهم النوبي، في الحصاد وفي البناء وفي المناسبات. وكيف أن بلدتهم لم تعرف طوال تاريخها دخول العمالة الأجيرة. إذ يقوم أبناء البلد بكل ما يلزم من بناء وتسقيف أو ترميم، وما على صاحب المنزل إلا أن يحضر المواد ويعد وجبة التركين لأولئك الذين سيستنفرون لخدمته. وأنه كان يرجع الفضل في إجادته تسقيف المنازل "دوقسيد وفلنكاب" إلى تلك الوجبة التركينية الرائعة.
    وكان للعم دهب اهتمامات بالفن النوبي من كونه المعين الثر والحافظ لبعض كنوز النوبة اللغوية والاجتماعية، وكان حريصاً على توفير التسجيلات النوبية لأبنائه وأحفاده ولم يدع لهم مجالاً لللهث وراء الجديد الوافد من الداخل القريب أو الخارج البعيد لذلك كانت سماح كثيراً ما تقول له مازحة انت يا جدو"رجل من الأمس". بينما يصر شقيقها الأصغر عوض على تشبيهه بالشيخ أحمد ياسين ربما للتقارب الشكلي ــ الإعاقة والكرسي المتحرك ــ أو لقوة الحجة والمنطق والقدرة على التغيير والتأثير في الآخرين.
    هاتفهم عبده فجأة من الخرطوم معبراً عن أشواقه للبلد وأهله مبدياً قلقه تجاه صحة أخيه دهب، مشتكياً من أوضاعهم في مهجرهم الذي وصفه بأنه "اشلاق" مدني. مؤكداً قدومه إلى البلد في هجرة عكسية للاستقرار مجدداً في أرض الآباء والأجداد. فرح العم دهب أيما فرح وقام بتجهيز بيت لشقيقه، وأشرف على شراء كل مستلزمات الضيافة من ذبائح ومؤن وغيرها، احتفاءً بأوبة أخيه بعد غياب دام أربعة عقود أو تزيد. لدرجة أن البعض حسب أن دهب سيشفى من جلطته،و سيستغني عن كرسيه لكن الأجل المحتوم لم يمهله لذلك وحال دون اللقاء وعناق الأخوة إذ صعدت روحه إلى بارئها قبل وصول القادمين بيوم، ليجدوا "عنقريب" الجنازة مسنوداً إلى الجدار المدهون حديثاً، وبجواره كرسي متحرك يشكو غياب صاحبه.

  8. #18

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    الأخ الأديب الرائع بتيك

    مررت من هنا وقلت إن من واجبي أن أحييك وأشد على يدك. أنت رائع بحق فاتحفنا بهذه الجرعات علها تطفئ بعض عطشنا ونحن بانتظار المزيد.

    ودمت

    مع تحيات

    أبو مصطفى

  9. #19

  10. #20

    مشاركة: تراجيديا نوبية

    (9) قطار الموت
    صحب جعفر كل أسرته في رحلة صيفية إلى قريتهم النوبية الرابضة على تخوم بحيرة النوبة التي ابتلعت نصف قريتهم وكانت سبباً في تهجير نصفها الآخر، كانت نفسه تواقة لتلك الأرض ولسان حاله يردد: "آي فجورين باينا.. حلفا حدود كيل جو سيول فتيقرين باينا" وذلك عبر القطار الذي غنوا له في البدء: "قطار الشوق متين ترحل تودينا نزور بلداً حنان أهلا فراقم كان مبكينا" .لكنهم وفي مرحلة لاحقة غيروا وبدلوا من جراء التعب والنصب الذي كابدوه وأصبحوا يرددون"وعم الزين محكر في قطار الهم" حتى أن داود الابن الأوسط نعتها برحلة الموت. والتي كانت قد بدأت مع بزوغ الفجر عند مغادرتهم لبيتهم في الحاج يوسف، ثم البحث عن حجزهم في عربة الدرجة الأولى "مجازاً"، وهو ما شكل صدمة لأبنائه خاصة هند التي تستقل القطار السوداني لأول مرة في حياتها والتي ما فتئت تتساءل: يا بابا دي درجة أولى؟؟ أمال الدرجة الرابعة كيف؟؟ خلد الجميع إلى النوم بمجرد فراغهم من ترتيب الأمتعة وكانت المشكلات والخناقات المتكررة والأصوات العالية كثيراً ما تقطع عليهم نومهم، لكنهم ومن فرط التعب يعاودون النوم وبسرعة مذهلة. استيقظ الجميع قرابة الساعة العاشرة ليجدوا القطار في مكانه لم يبرح محطة بحري. لاذ الكل بالصمت ربما تعبيراً عن عدم الرضا، أو ربما لمتابعة الحوار الصاخب في الغرفة المجاورة عن الأوضاع والفساد، وبدأ كل واحد منهم يسرد تجربته الخاصة في سفرته هذه وانضم إليهم من يفترشون ممر المشاة المجاور للحجرات.. أسرة جعفر كانت تستغرب من كثرة ترديدهم لعبارة مفروض التي وردت ربما أكثر من مائة مرة!! أطلقت القاطرة صافرتها المميزة إعلاناً بانطلاق الرحلة في تمام الثامنة مساءً بدلاً عن السادسة والنصف صباحاً كما هو مقرر لها. ومن المفارقات أن زاد أسرة جعفر قد نفد قبل أن يبرح القطار محطة انطلاقه! انتهز جعفر الفرصة وأعطى أبناءه لمحة تاريخية عن سكك حديد السودان أيام مجدها، وعن إكسبريس حلفا الذي كان الناس يضبطون ساعاتهم عليه، وكيف أن الإدارة كانت تحاسب الطاقم إن هو تقدم أو تأخر عن المواعيد المحددة للرحلة. وكانوا أكثر انجذاباً لحديثه عن الخدمات الراقية التي كانت تقدم لركاب الدرجات العليا. وكان السؤال التلقائي عن سبب هذا التدهور المريع؟؟ وكانت إجابة والدهم أكثر ضبابية خاصة لمن هم في سن بنته هند،إذ حدثهم عن التدهور الإداري، وسوء إدارة الوقت، وتسييس النقابات، والفساد..الخ وقد عضد حسان الابن الأكبر قول أبيه مشيراً إلى فوضى التصاريح الحكومية، وتفشي الرشا وسط المحصلين "الكمسرجية"، وأن من يركبون على السطح بدون تذاكر هم أكثر من الركاب النظاميين القابعين بداخله. كان الحوار شيقاً خفف عنهم بعضاً من الآم السفر وشعثه وغباره وندرة مياهه، ولم يقطع حديثهم إلا درويش الجيلي المشهور وبصيحاته التي يألفها كل من استقل القطار ميمماً وجه صوب الشمال. أما عطبرة عاصمة الحديد والنار كما كان يطلق عليها فلم تتغير كثيراً حسب جعفر الذي رآها قبل أكثر من أربعة عقود من الزمان، وكان صغاره أشد حيرة وهم يشاهدون الرصيف وقد تحول إلى سرادق عزاء وبلغة لم تعهدها آذانهم من قبل وعندما سألوا الوالد عنها أجابت عيناه بدلاً من لسانه فحسبوا أنه يشاطر أولئك أحزانهم وفقدهم الجلل، بينما الدموع التي بللته كانت ضرباً من جلد الذات وندمه على ما فرط. وبعد يوم من تحركهم شارفوا أبو حمد والتي هي بمثابة الواحة لمن يسيرون في الفيافي، الناس يركضون صوب السوق الصغير طلباً للأكل والشرب، المياه جلها طمي ومع ذلك يقبلون عليها بنهم والبعض يصبها على جسده ليطفئ من حرارة الجو ولهيب الشمس لا بقصد النظافة والاستحمام إذ لاتصلح لذلك. لتتواصل الرحلة بعد ذلك وسط صحراء جرداء متنقلين من نمرة إلى أخرى، ولم ينسى والدهم من أن يحدثهم عن هذا الخط الحديدي ودواعي إنشائه أيام الحرب العالمية، وفاضت عيناه من الحزن متذكراً أيام التهجير والتي لم يعد بعدها إلى هذه الجهات ثانية. كان جعفر متوجساً من لحظة الوصول ربما خوفاً من فشل مشروعه الاستيطاني الذي خطط له ولأكثر من ربع قرن قضاها في أوربا جامعاً الأموال المعينة على الزراعة والاستقرار. كان خوفه من أن يرفض الأبناء الفكرة بعد اصطدامهم بالواقع المغاير لما ألفوا من قبل.بعيد الوصول إلى المحطة الهدف لم يغمض له جفن إلى أن طلع الفجر ليترك أسرته تغط في نومها العميق وحق لهم ذلك بعد ثلاثة أيام من السفر الذي لايختلف كثيراً عن أسفار السابقين ممن كانوا يمتطون ظهور البعير، فهب مسرعاً صوب النيل مستودع أحلامه ومشاريع بقائه ليطمئن قلبه ويتجدد أمله الذي خاب مع التغير الجذري الذي وجده ماثلاً.. إذ غابت الأسماء المعروفة أوندي وبندي ولوندي، ليحل مكانهم ملاك جدد هارون وأبكر وآدم .. أقفل راجعاً إلى حيث أسرته وقرر ألا يفك أمتعتهم المصاحبة، وأن يعيد شحن ما أحضره معه من معدات ومولد وجرار ومضخات ليرجعها من حيث أتت، وأخبر أسرته بقراره ذلك طالباً منهم الاستعداد لرحلة العودة وبنفس القطار ودخل ليأخذ قسطاً من الراحة يتقوى به في أوبته، واستغرق في سبات لم يفق منه ثانية إذ فاضت روحه في الأرض التي يحب وقرب النيل الذي يعشق ليوارى الثرى في مقابر الوافدين الجدد المسماة "الكرمك".

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. وردي: سيرة أسطورة نوبية خالدة
    بواسطة عبد الباقي خليل عوض الله في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2005
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 08-20-2009, 10:40 PM
  2. اغنية نوبية
    بواسطة shamsnn في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2009
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-08-2009, 06:56 AM
  3. أعلام ورموز نوبية من صاي
    بواسطة أبو مصطفى في المنتدى منبر أبو مصطفى (نساب النوبة)
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 06-18-2008, 07:15 AM
  4. تهنئة و اقتراح..
    بواسطة منير محمد صالح في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2005
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 11-18-2005, 08:58 PM
  5. من ذكريات القرية
    بواسطة عبد الفتاح محمد فرح ارصد في المنتدى ارشيف مواضيع العام 2005
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-12-2005, 10:46 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •